أسرار قبول الأعمال بالصلاة على النبي (ص)

الشيخ عباس الريس 


إن العبادة التي يتقرب بها العباد إلى الله - تعالى - تختلف من واحدة إلى أخرى قوة وضعفاً، إلا أن الصلاة على النبي وآله - صلى الله عليه وآله - الله عليهم أجمعين - تأتي في رأس القائمة من حيث الثواب الجزيل وحتمية القبول، وقد مرّ بنا كثير من الكلام حول هذا الموضوع ضمن التعرض لمعاني آيات وروايات فصلناها في مطاوي أبحاث الكتاب السابقة.

​أما ها هنا فإنا سنتعرض إلى هذه العبادة ولو بصورة موجزة لنحاول كشف هذا السر الخفي من حيث قبول هذه العبادة على كل حال.

​وعليه فإنا نستطيع أن نتحدث ضمن نقاط متعددة بعد طرح هذا التساؤل وهو: لماذا تكون العبادة مرددة بين القبول والرد إلا الصلاة على محمد وآل محمد، كما ورد ذلك في كثير من أخبار أهل البيت - عليهم السلام -.

​ويمكن الجواب على ذلك ضمن النقاط التالية:

​1 - ان الله - سبحانه وتعالى - قد اختص نبينا - صلى الله عليه وآله - بأن جعله حبيباً، كما جعل إبراهيم خليلاً، وذكر الحبيب عند حبيبه لا شك أن يكون له إعتبار خاص في الذكر، والصلاة على النبي بهذا لإعتبار هو ذكره إلى الله، وجعله شفيعاً، فإذا جعل الحبيب شفيعاً ووسيطاً بين السائل والمسؤول فإن الوساطة لا ترد ولا ترفض بل لا بد أن تقبل، وإلا لضاعت منزلة الحبيب عند حبيبه.

​2 - إن النبي - صلى الله عليه وآله - قد نهى أن نصلي عليه الصلاة البتراء، بمعنى أنه أمر أن يصلوا على آله كما يصلون عليه، ومعنى ذلك أن آله قد أصبحوا وسطاء قدمهم المصلي إلى النبي - صلى الله عليه وآله - بين يدي حاجاته، والنبي بدوره وسيط إلى الله، فآله هم أحباء عنده بلا شك، وهو حبيب عند الله بلا شك، فتقبل هذه العبادة حتماً وان تعددت الوسائط.

​3 - إن من صلى على النبي - صلى الله عليه وآله - بهذه الصلاة الكاملة غير البتراء - كما قلنا - لا تصدر إلا ممن قد أخلص ومحض الولاء لأهل البيت، ومعنى ذلك أنه قد نفّذ وصية النبي - صلى الله عليه وآله - فيهم كما نطق بذلك الذكر الحكيم (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، فقد ورد تفسير هذه الآية في كثير من أخبار أهل البيت كما روى ذلك المفسرون. فمنها ما ذكره السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان عن علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول في قول الله: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) يعني في أهل بيته قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - ، فقالوا: إنا قد آوينا ونصرنا فخذ طائفة من أموالنا استعن بها على ما نابك، فأنزل الله: (قل لا أسألكم عليه أجراً - يعني النبوة - إلا المودة في القربى) أي في أهل بيته، ثم قال: أن الرجل يكون له صديق وفي ذلك شيء على أهل بيته فلم يسلم صدره، فأراد الله أن لا يكون في نفس رسول الله - صلى الله عليه وآله - شيء على أمته ففرض عليهم المودة فإن أخذوا أخذوا مفروضاً وإن تركوا تركوا مفروضاً قال: فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا فقال: قاتلوا عن أهل بيتي وقال طائفة: ما قال هذا رسول الله من الله وجحدوا وقالوا كما حكى الله - تعالى - : (أم يقولون إفترى على الله كذباًـ فقال الله ـ : فإن يشأ الله يختم على قلبك ـ قال: لو افتريت ـ ويمحو الله الباطل ـ يعني يبطله ـ ويحق الحق بكلماته ـ يعني بالأئمة والقائم من آل محمد ـ إنه عليم بذات الصدور، ـ ثم قال: ـ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ـ إلى قوله: ـ ويزيدهم من فضله ـ يعني الذين قالوا القول ما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ثم قال: ـ والكافرون لهم عذاب شديد) ـ وقال أيضاً ـ : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) قال: قال أجرة النبوة أن لا تؤذوهم ولا تقطعوهم، ولا تبغضوهم وتصلوهم ولا تنقضوا العهد فيهم لقوله ـ تعالى ـ : (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقالوا: إنا قد نصرنا وفعلنا فخذ من أموالنا ما شئت فأنزل الله: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) يعني في أهل بيته ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - بعد ذلك من حبس أجيراً أجره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً وهو محبة آل محمد رسول الله ثم قال: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) وهي الإمامة لهم والإحسان إليهم وبرهم وصلتهم (نزد له فيها حسناً) أي نكافىء على ذلك الإحسان.

​وعلى هذا فإن السائل أو الداعي أو المتعبد بهذه العبادة يكون أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - من غيره لأنه أحب أهل بيته، وكما جاء عنه - صلى الله عليه وآله - قوله: (المرء يحفظ في ولده).

​4 - قال الصدوق في كتاب معاني الأخبار، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المقري، قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر المقري الجرجاني، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن الموصلي ببغداد، قال: حدثنا محمد بن عاصم الطريفي، قال: حدثنا أبو زيد عياش بن يزيد بن الحسن بن علي الكحال مولى زيد بن علي، قال: حدثني أبي - يزيد بن الحسين - قال: حدثني موسى بن جعفر - عليه السلام - قال: قال الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام - من صلّى على النبي - صلى الله عليه وآله - فمعناه أني أنا على الميثاق والوفاء الذي قبلت حين قوله: (ألست بربكم قالوا بلى) ومعنى ذلك أن الميثاق هو ما أخذه الله على العباد من طاعته ومحبة أوليائه ومعاداة أعدائه.

​فقوله - عليه السلام - : (صلِّ على محمد وآل محمد) معناه أنه نظر إلى كل هذه الإعتبارات وهذه الوسائط وجعلها نصب عينيه لكي يقرب البعيد ويختصر الطريق إلى الله - تعالى - . وقد يراود الإنسان اشكال آخر وهو أليس أن الحسين هو من آل محمد؟ ومعنى ذلك أنه قد أقسم على الله بقربه من الرسول - صلى الله عليه وآله -.

​قد يكون هذا، وهو أن القربى المنصوص عليها في آية القربى لها إعتبار في مقام التوصل إلى المطلوب بواسطة رسول الله - صلى الله عليه وآله -.

​ولكن المهم في ذلك هو أن المقصود ليس مراعاة الرحم فقط وإنما المقصود من آل البيت هنا هو التوجه إلى الله بمنزلتهم عنده ومقامهم لديه الذي وضعهم الله فيه، وهو مقام الإمامة ذات المسؤولية الكاملة عن الخلق أجمعين. فعندما يقول - عليه السلام - : (صلِّ على محمد وآل محمد) يعني أستشفع لديك بمقام النبوة الذي حلّه محمد - صلى الله عليه وآله - وأستشفع لديك بمقام الإمامة الذي حلّه آل محمد - عليهم السلام - ، وهذا الكلام من أروع ما يقال في مقام الدعاء. فإن هذين المقامين لا ينالهما الإنسان بعمله ولا بجاه ولا بمال وإنما يصطفي الله لذلك من خلقه من يشاء وينص على من يريد، وإلى هذا أشارت كثير من الآيات في الكتاب العزيز مثل قوله - تعالى - : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وقوله - تعالى - : (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) وكثير هي الآيات التي ترسم الخط الواضح في أمر الخلافة، وتكشف الريب وتبعد الشك عن هذا المقام السامي الذي يشمل النبوة والإمامة معاً.

​أما باقي الأعمال فإنها مرددة بين القبول والرفض؛ لأن المقياس هو الإخلاص في العبادة فكلما أخلص الإنسان في عبادته كلما قربت هذه العبادة من ساحة القبول. أما الصلاة فإنها لا تتعرض لمثل ذلك الرفض والقبول بعد أن بيّنا في ما تقدم سبب ذلك.

 

مقالات مشابهة