الحديثُ عن الملائكة
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
والحديث عن الملائكة حديث عن سر غامض ، لا يعلمه الإنسان ؛ لأنه لا يدرك ذلك بحواسه ، ولا يستطيع أن يدرك ذلك بعقله ؛ لأنه عالم لا يعلم عنه شيئاً ، على أن العقل لا يبرح في تأملاته وتخيلاته ، ولكن ذلك لا يغني عن الحق شيئاً .
اللهم إلا ما ورد عنه في الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة ، والأخبار عن أهل البيت «عليهم السلام» فقد جاء قوله تعالى : ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾ ، وقوله تعالى : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ، وقال تعالى : ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ .
قال الرازي في تفسيره : روي أنه قيل يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال «صلى الله عليه وآله وسلم» : ملك عن يمينك للحسنات هو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين : اكتب ، قال : لا لعله يتوب ، فإذا قال ثلاثاً قال : نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله واستحياؤه منا .
فهو قوله تعالى : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ .
وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لربك رفعك، وإن تجبرت قصمك ، وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة ، وملك على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك ، وملك على عينيك . فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي ، ملائكة الليل وملائكة النهار ، فهم عشرون ملكاً ، على كل آدمي .
ثم قال أيضاً في تفسيره : الملائكة عند الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية ، ويخص باسم الكروبيين ما لا تكون له علاقة مع الأجسام ولو بالتأثير ، وذهب أصحاب الطلسمات إلى أن لكل ملك روحاً كلياً يدبر أمره ويتشعب منه أرواح كثيرة . ثم قال ولا خلاف بين العقلاء في أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه . كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الإنسان فيه ، إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لا بد وأن تكون ذواتٍ قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون .
أما الأول: فقد قالوا عنه بأنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات وهذا قول أكثر المسلمين .
القول الثاني : إن الملائكة ذواتٌ قائمة بأنفسها وليست متحيزة ولا أجسام وقد ذهب الفلاسفة إلى أنها جواهرُ قائمة بأنفسها ليست بمتحيزةٍ ألبتة ، وإنها بالماهية مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية ، وإنها أكمل قوةٍ منها ، وأكثر علماً ، وإنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء .
أما بالنسبة إلى أفضلية الإنسان والملك فقد اختلف المسلمون في ذلك .
قال العلامة الطباطبائي في الميزان ، فالمعروف المنسوب إلى الأشاعرة أن الإنسان أفضل والمراد به أفضلية المؤمنين منه ، إذ لا يختلف اثنان في أن من الإنسان من هو أضل من الأنعام ، وهو أهل الجحود منهم ، فكيف يمكن أن يفضل على الملائكة المقربين ؟ وقد استدل عليه بالآية الكريمة : ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
على أن يكون الكثير بمعنى الجمع كما هو وارد عند أهل اللغة وكما ورد من طريق الرواية أن المؤمن أكرم على الله من الملائكة .
وهو المعروف أيضاً من مذهب الشيعة ، وربما استدلوا عليه بأن الملك مطبوع على الطاعة من غير أن يتأتى منه المعصية ، لكن الإنسان من جهة اختياره تتساوى نسبته إلى الطاعة والمعصية فقد ركب من قوى رحمانية وشيطانية وتألف من عقل وشهوة وغضب فالإنسان المؤمن المطيع يُطيعه وهو غير ممنوع من المعصية بخلاف الملك ، فهو أفضل من الملك .
ومع ذلك فالقول بأفضلية الإنسان بالمعنى الذي تقدم ليس باتفاقي بينهم ، فمن الأشاعرة من قال بأفضلية الملك مطلقاً ، كالزجاج ونسب إلى ابن عباس .
ومنهم من قال بأفضلية الرسل من البشر مطلقاً ، ثم الرسل على من سواهم من البشر والملائكة ، ثم عامة الملائكة مطلقاً ، ثم الرسل من البشر ، ثم الكُمَّل منهم ، ثم عموم الملائكة من عموم البشر ـ كما يقول به الإمام الرازي ـ ونسب إلى الغزالي .
وذهبت المعتزلة إلى أفضلية الملائكة من البشر ، واستدلوا على ذلك بظاهر قوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ... إلى قوله : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
وقد بالغ الزمخشري في التشنيع على القائلين بأفضلية الإنسان على الملك ممن فسر الكثير في الآية ، فقال في الكشاف في ذيل قوله تعالى : ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ..﴾ الآية هو ما سوى الملائكة ، وحسب بني آدم أن ترفع عليهم الملائكة ، وهم هم ، ومنزلتهم عند الله منزلتهم .
وإن سنحت الفرصة للحديث بأكثر من هذا في الأبحاث الآتية فإنا سوف نأتي بذلك في المكان المناسب ـ إن شاء الله ـ .
