علم الله المخزون

 

الشيخ عباس الريس 


بدأ عليه السلام يستعطي ويستجدي ربّه أن يعلّمه من العلوم الخاصة التي لم تظهر للوجود ، ولم يطلع عليها البشر فقال : ( الهي علّمني من علمك المخزون ) . وهنا يراود العقل بعد الإشكالات التي تحوم حول هذه العبارة وهي : هل أن الحسين يطلب العلم لرفع الجهل ؟ وهل إن العلم المخزون يعني علم الغيب الذي استأثر الله به لنفسه ؟ واخيراً ما هو نوع العلم الذي يطلبه الحسين ـ عليه السلام ـ في هذا الإبتهال ؟

​هذه جملة من الإشكالات التي تتبع بعضها بعضا ، وكثير غيرها التي تتردد في العقل . ونحاول أن نستجلي الجواب عنها في ما يأتي من النقاط :

الأولى : إنه ـ عليه السلام ـ عندما يقول : ( علّمني ) فإن الله ـ تعالى ـ لا ريب أنه هو المعلم الأول ؛ لأنه بكل شيء عليم ، صحيح أن الحسين ـ عليه السلام ـ هو عيبة علم رسول الله ، مدينة العلم ، وقد ورث ذلك عنه ، ولكن هذا كله لا ينافي طلب المزيد من الله ـ سبحانه وتعالى ـ . اما العلم الذي يحتاجه البشر في امور دينهم ودنياهم فهو موجود عند الحسين ـ عليه السلام ـ ضرورة . ولو سار الناس على نهجه لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم ، وهذه حقائق ثابتة لا مناص عن الإعتراف بها .

هذا من جهة ، ومن جهة اخرى أن العلم من الله يُعدّ تفضلاً ونعمة ، فهو يسأل الله من فضله ، وسوابغ نعمه ، فهو يعتبر هذا المطلب من المطالب التي يسأل الله ويدعوه أن يستجيب له بتلبيتها في ذلك الموقف العظيم .

الثانية : ان العلم الذي يريده الحسين ـ عليه السلام ـ ليس من العلوم المبتذلة ، فإن كلمة ( المخزون ) صفة لذلك العلم المطلوب افادت التخصيص ، ومعنى ذلك أن هذا العلم لم يكن معروفاً ؛ لأن كل علم معروف فالأنبياء والأوصياء أولى بمعرفته ، فالتخصيص بالوصف يقتضي خروج الموصوف عن سنخية العلم المألوف لدى المخلوقات ؛ لأننا لو قلنا بغير ذلك لدار الأمر بين أن يطلب الحسين ـ عليه السلام ـ علماً موجوداً عنده ، وهذا تحصيل الحاصل وهو محال ، كما يقتضي بذلك العبث في السؤال وتضييع الوقت في ما لا جدوى فيه وهو ـ عليه السلام ـ أجل من ذلك وأعظم . وإما أن يكون الحسين ـ عليه السلام ـ قد سأل ربه شيئاً مستحيلاً ، والدعاء لا يحقق الأمور المستحيلة ، ويخرجها عن طبيعتها عن حالة الإمكان ؛ لأن القدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيلات ، لا لنقص في القدرة ، ولكنه نقص في المستحيل نفسه .

​إذاً فطلبه ـ عليه السلام ـ طلب يريد به تحقيق شيء جديد ، وهو زيادة من الخير وهو العلم الذي لم يحصل عليه هو ولا غيره من الناس ؛ لأنه مخزون عند الله ، وهو أقرب إلى الله من غيره وقربه هذا يقتضي إجابة الدعوة إليه قبل غيره .

الثالثة : أما نوع العلم فهو لا شك، من الأنواع السائغة التي تعود على الناس بمردود إيجابي ؛ لأن من العلوم ما هو ضار ، بل ما هو محرم كالسحر وعلم النجوم إلّا ما يقصد به رد كيد السحرة وما يهتدى به في ظلمات البر والبحر ، وكل علم يقصد به إيذاء البشر فهو محرم قطعاً ، وهذا لا شك منفي عن ما يطلبه الحسين بالضرورة .

​ثم إن الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يستجيب للسؤال الذي يقصد منه الضرر لأنه يحرم الضرر ، ويحرم الأسباب التي تجر إليه ولا يلزم من كل هذا أن الحسين ـ عليه السلام ـ لا يعلم بتلك العلوم التي تجر إلى المعصية . فإن علمهم ـ عليهم السلام ـ كما ورد عن الصادق ـ عليه السلام ـ ( نقر في الأسماع ونكت في القلوب ) ومعنى ذلك أن أحدهم إن أراد أن يعلم يعلم ، وإن أراد أن لا يعلم لا يعلم .

​هذا ولا يزال الإشكال حول العبارة يحتاج إلى توضيح آخر باسلوب آخر ربما يجرنا إلى التعرف إلى علم الإمام .

​ولما كان الإمام من مستلزمات حياة الإنسان على وجه الأرض ؛ لئلا تكون للناس على الله حجة ، ولما كان علم الإمام هو المائز عن غيره وبه يعرف الإمام من غيره ، لاضير أن نبحث ولو بصورة إجمالية علم هذا الإنسان الذي فضله الله على غيره واحتج به على خلقه وسلم إليه أمور خلقه فنقول .


مقالات مشابهة