الصلاة على النبي باسمه وصفته
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك ونبيك ) وصل كلامه ـ عليه السلام ـ بهذه العبارة المباركة وهي الصلاة على ( محمد ) وهو الإسم العلم للنبي الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ ثم وصفه ـ عليه السلام ـ بكونه عبداً لله ، وفي ذلك أبلغ المدح والتعظيم له ، لأن العبودية لله ـ سبحانه ـ هي عين الحرية ؛ لأنها لا تعترف إلا بمعبود واحد ، لا شريك له ، بينما استعباد الإنسان للإنسان يتعدد ويتغير من عبودية إلى أخرى ، ومن معبود إلى آخر . وهذا نظير قوله ـ تعالى ـ : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . . . ﴾ الآية وقد أضاف العبد إلى نفسه لكي يعتز بعزه ، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الشرف العظيم والمعجزة الخالدة أبد الدهر لم ينلها إلا بكونه عبداً مخلصاً لله .
ثم ذكر ـ عليه السلام ـ شرفاً آخر يتشرف به ذلك المسمى إضافة إلى شرف العبودية ، وهو كونه رسولاً ونبياً . وقد ذكرنا في كثير من أبحاث الكتاب الفرق بين الرسول والنبي وقلنا في ما قلنا إن الرسول هو الذي يرى الملك المبلغ عن الله ويسمعه ، ولكن النبي هو أعم من ذلك فقد يراه ويسمعه ، وقد يسمعه ولا يراه ، وقد تكون عن طريق الرؤيا ، فيثبت بذلك بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق .
والظاهر أن المراد من ذكر النبي بإسمه ودرجاته عند الله ، وهي الرسالة والنبوة هو التوسل منه ـ عليه السلام ـ إلى الله بجده محمد ، وبرسالته وهي خاتمة الرسالات وبنبوته وهي المقام العالي والشرف الرفيع الذي لا يدانيه شرف وقد فضل الله به ذلك النوع من البشر دون غيره .
ثم أضاف أهل بيته إليه فقال ـ عليه السلام ـ : ( وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين ) وفي ذلك إشارة إلى أن أهل بيته لهم المكانة العالية دون غيرهم من الناس ، وهؤلاء الذين أوصى بهم النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في آخر لحظة من لحظات حياته ، وقد ذكر القرآن هذا المعنى في قوله ـ تعالى ـ : ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى . . . ﴾ الآية .
ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( وتتم لنا نعماءك ، وهنئنا عطاءك ) وقد ذكرنا حول هذه النقطة بالذات في الجزء الأول من الكتاب شرحاً مفصلاً عند قوله ـ عليه السلام ـ : ( حتى إذا أتممت علي جميع النعم ) وعرضنا لذلك في بحث سابق من هذا الجزء عند قوله ـ عليه السلام ـ : ( وأتمم علينا نعمتك ) فلا حاجة بنا إلى تكرار ذلك الحديث .
أما قوله ـ عليه السلام ـ : ( وهنئنا عطاءك ) فإنه بحسب ما ورد في فصل اللغة أن المعنى حصول هذا العطاء بدون مشقة . أما إذا جاء هذا العطاء بالمشقة والتعب فإنه لا يكون هنيئاً قطعاً . وبعبارة أخرى إنه ـ عليه السلام ـ يسأل من الله أن يتفضل عليه بالعطاء قبل السؤال كما يتفضل على بقية خلقه ؛ لأنه ـ سبحانه ـ من عادته الإحسان إليهم ، لأن السؤال مشقة ؟ ولأن العطاء مع المشقة لا يكون فيه هناءة كما لو كان بغير سؤال .
وقد ورد في ما أثر من الأدعية عن أهل البيت الطاهر ـ عليهم السلام ـ قولهم : ( يا من يعطي من سأله ، يا من يعطي من لم يسأله ولم يعرفه تحنناً منه ورحمة . . . ) الدعاء وإلى هذا أشارت أبيات وردت على الخاطر في الحال :
يا معطي الخير من قبل السؤال وقد كان العطاء جزيلاً غير محدود
يا رازق الطير في الافنان إن يدي تعرضت لنوال غير معدود
أنا الفقير الذي قد كان ذا أمل وأنت كل الرجايا خير معبود
حصت يدي المعاصي فهي قد قصرت عن السؤال ولكن أنت ذو الجود
فشأنك اللطف والإحسان كم تركت يداك كل صنيع منك محمود
