كرم العفو

الشيخ عباس الريس 


ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( وأكرم من عفا ) وكرم العفو يأتي منه ـ سبحانه ـ بخلاف العفو من الإنسان ، فإن الإنسان قد يعفو وكله منّ بهذا العفو ؛ لأن كرم الإنسان محدود ، وهو ينظر إلى المعفو عنه من خلال جرمه فإذا عفا عنه فكأنه قد فعل شيئاً كثيراً ، هذا بالنسبة إلى الإنسان .

​أما العفو المنسوب من الله ـ سبحانه ـ فإنه يختلف الغرض منه عن الإنسان كل الإختلاف وذلك حسب النقاط التالية :

​1 - إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ عفوّ وهو يحب العفو ويوجد في القرآن العزيز موارد متفرقة يذكر فيها العفو من غير ذكر سببه ، وإن كان التدبر فيها يهدي إلى إجمال ما روعي فيها من المصلحة ، وهي موارد متنوعة من العفو الإلهي .

​2 - ولما كان العفو المغفرة يتعلق بالذنب الذي يستتبع نوعاً من المجازاة والعقاب ، وللجزاء عرض عريض ، ومراتب مختلفة متشتتة أتبعه العفو في اختلاف المراتب حسب اختلافه ، وليس الإختلاف الواقع في نفس الذنب أي التبعة السيئة التي يستتبعها العمل . فالإختلاف فيها مما لا سبيل إلى إنكاره ، والجزاء سواء كان عقاباً أو ثواباً إنما يوزن بزنتها .

​3 - والذي يفيده الإعتبار الصحيح هو أن ما يتعلق به ويحترمه المجتمع الإنساني هو الأحكام العملية والسنن المحترمة التي تحفظ بالعمل ، والمداومة عليها مقاصده الإنسانية وتهديه إلى سعادته في الحياة .

​وفي هذه المرحلة لا يسمى باسم الذنب إلا التخلف عن متون القوانين العملية وتحادي الذنوب لا محالة في عددها عدد مواد الأحكام الإجتماعية ، وهذا هو المغروز المركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضاً من معنى لفظ الذنب والألفاظ التي تقارنه في المعنى كالسيئة والمعصية ، والإثم والخطيئة والحوب والفسق ونحوها .

​لكن الأمر لا يقف على هذا الحد فإن الأحكام العملية إذا عمل بها وروقبت وتحفظ عليها ساق المجتمع إلى أخلاق وأوصاف مناسبة لها ملائمة لمقاصد المجتمع التي هي غاية إجتماعهم ، وهذه الأخلاق هي التي يسميها المجتمع بالفضائل الإنسانية ويحرص ويحرّض عليها ، وتقابلها الرذائل .

​وهي وإن كانت مختلفة باختلاف السنن والمقاصد في المجتمعات إلا أن أصل إنتاج الأحكام الإجتماعية لها مما لا سبيل إلى سدّه وإعفائها عنه . قاله في الميزان .

​توضيحاً لما قاله ـ عليه السلام ـ : ( وأكرم من عفا ) كما أشرنا إلى ذلك بأن العفو من الله يختلف عنه من الإنسان ؛ وذلك لأن العفو من الله ليس له غرض إلا الرحمة بالعبد والرأفة به ، ويتجلى هذا الكرم بالعفو :

​إن الله قد فتح أبواباً من الرأفة والرحمة ليدخلها الإنسان ، ويتخلص من سوء فعله وإساءته ، فمرة يهديه إلى التوبة والإستغفار ، وبذلك يكون كيوم ولدته أمه ، ومرة أخرى يبدؤه بالرحمة والمغفرة ويقربه إليه زلفى . وهناك وسائل أخرى لإنقاذ الإنسان مما غمره من الذنوب ، وذلك إذا أراد الله به خيراً ، فالكرم في العفو يعني أنه يبدأ العبد بذلك سواء كان له حجة أم لا ، وسواء كان له ما يبرر فعله أم لا .


 

مقالات مشابهة