المعاد في القرآن والسنة مربوطاً بما تقدم

 

الشيخ عباس الريس 



وأما من لا عوض له ولا عليه فهو لا تجب إعادته عقلاً. نعم السمع دلّ على إعادته. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

​وليس الحشر إلا عبارة عن الإعادة البدنية ـ كما تقدم الكلام فيه ـ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ وكثير من الآيات غيرها.

​وكذلك الأخبار النبوية البالغة حد التواتر اللفظي والمعنوي. ففي مجالس الشيخ عن غير واحد من الرواة، أن نفراً من قريش اعترضوا الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» منهم عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن سعيد فقالوا: يا محمد هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن يكن الذي نحن عليه الحق، فقد أخذت بالحظ منه، وإن يكن الذي أنت عليه الحق فقد أخذنا بحظنا منه، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ...﴾ إلى آخر السورة .. ثم أتى ابن خلف بعظم رميم، ففته في يده ثم نفخه، وقال: أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما تَرى ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.

​وفي حديث الاحتجاج، عن هشام بن الحكم، أنه قال: قال الزنديق للصادق «عليه السلام» أنّى للروح بالبعث، والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت ؟ فعضو في بلدة تأكله سباعها، وعضو بأخرى تمزقها هوامها، وعظم قد صار تراباً بني به مع الطين حائط قال: إن الذي أنشأه من غير شيء، وصوره على غير مثال، كان قد سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه، قال: أوضح لي ذلك. قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسنين في ضياء وسعة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير تراباً منه خلق، وما تقذف به السباع، والهوام من أجوافها، مما أكلته ومزقته، كل ذلك في التراب محفوظاً عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، وإذا كان حين البعث مطرت السماء ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض فيجتمع تراب كل قالب، فينتقل بإذن الله تعالى، حيث الروح فيها. فإذا استوى لا ينكر من فضله شيئاً.

​وفي صحيح جميل بن دراج، كما في تفسير القمي، عن الصادق «عليه السلام» قال: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم، وقال: أتى جبرئيل رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» فأخذه، وأخرجه إلى البقيع، فانتهى إلى قبر فصوّت فصاح به، وقال: قم بإذن الله تعالى، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه، وهو يقول: الحمد لله، والله أكبر. فقال جبرئيل: عد بإذن الله، ثم انتهى به إلى قبر آخر، فقال قم بإذن الله تعالى فخرج منه رجل مسود الوجه، وهو يقول: يا حسرتاه ويا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن الله تعالى. فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلاء يقولون ما ترى.

​وهذه الأخبار وما في معناها التي بلغت حد التواتر شاهدة بالإضافة إلى البعث والنشور أنه ليس بعد العدم بالكلية بل بعد تفرق الأجزاء أو صيرورتها تراباً فلا يرد ما أورده منكروا البعث من استحالة إعادة المعدوم وأنه القادر على كل شيء حتى لو قلنا بالعدم. وقال علماء الفيزياء: (المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم). والمعنى الذي يظهر من قولهم أن الجسم الإنساني بمواده الحية الأولية (الهيولى) وإن ذهب متبدداً في التراب بل حتى في الكون فإن أجزاءه موجودة وجمعها ممكن عند خالق الممكنات. وهذا مؤيد لما ذكره المتكلمون من أن تشخص الإنسان إنما هو بالأجزاء الأصلية، ولا مدخل للأجزاء والعوارض فيه.


مقالات مشابهة