نماذج من الجبابرة الذين استعبدوا الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. فمن هؤلاء الجبابرة

 
الشيخ عباس الريس 



يحدثنا التاريخ عن نماذج من هؤلاء الجبابرة الذين استعبدوا الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. فمن هؤلاء الجبابرة :

١ - فرعون

وهو فرعون مصر ونعني به فرعون موسى وقد حكم مصر بذلك الاسلوب الاستكباري وتمادى في غيه ، وعلا في الارض ، وأنزل الخسف بطائفة من رعاياه هم بنو إسرائيل ، إذ عاشوا في ظلاله عيشة البلاء واصطبروا على اللأواء. قال تعالى : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾. وبما أن هذا الرجل قد ادّعى أمراً عظيماً ، لا يحتمله العقلاء ، ولمّا كان ضرر هذا الإدّعاء عاماً شاملاً قد نزل بأهل مصر وما والاها لأنه أمرهم بعبادته دون عبادة الله وأجبرهم عليها ومن أبى ذلك نكّل به ، فأما القتل وأما التنكيل والعيش النكد وسوء الحال ؛ فقد ذكر القرآن الكريم هذه الشخصية الشاذة ذات الوضع النشاز من أوله إلى آخره ، حتى استوفاها كاملة. وقد قرأنا كيفية هلاك هذا الجبار ، فقد أصبح عبرةً لمن اعتبر من أولي الألباب.

٢ - نمرود

وهو أيضاً من الشخصيات التي رواها التاريخ واشتهرت فيه بالجبروت والعنف ، فأمر الناس أن يعبدوه من دون الله وقد أشار إليه القرآن في حجاجه ولجاجه مع إبراهيم «عليه السلام» فقد سجل هذه المحاورة القرآن المجيد في قوله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

​ثم ضاعف من تحديه لإبراهيم «عليه السلام» لينتقم منه فجمع الحطب ليحرق به إبراهيم ، وأراد الله أن يبرهن له على ضعفه ، فإنه مهما صنع ومهما دبّر فلا يمكن أن ينال إبراهيم بسوء ، فصدر الأمر السامي إلى النار فقال تعالى : ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.

​وأخيراً جاءت نهايته بمقتله بأضعف خلق الله ، وهي بعوضة دخلت في منخره أقضت مضجعه ، وسلبته الراحة ، فذاق بذلك الأمرين ، ثم مات بعد عناءٍ شديد وخرجت البعوضة من دماغه مكسورة الجناح ، وقد عوضت عن ذلك بملأ الدنيا ذهباً فلم تقبل وقالت إن هذا لا يساوي جناحي ، وهكذا فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

٣ - دقيانوس

وهذا هو الشخصية الثالثة التي ابتليت بها الناس في حقبة من الزمن ، فقد تحكم في رقابهم وأموالهم ودمائهم وأمرهم أن يعبدوه من دون الله ، حتى هرب من هرب ، ومن هؤلاء الذين هربوا هم أصحاب الكهف ، وقد فزوا بدينهم ورجعوا بعد موتهم فجعلهم الله آية للناس.

​إن هذا الملك الجبار قد عوّدهم على كل رذيلة وأرغمهم على عبادته وأمرهم أن يكفروا بالله الذي خلقهم وما يعبدون واستتبع ذلك نكران كل فضيلة ومنها إنكار البعث والحساب.

​ولمّا كان الإنسان البدائي قليل التعقل للأمور الفكرية فإنه يلزم جانب الإهمال في كثير من هذه القضايا ، ولا يكلف نفسه عناء التأمل والشعور بالمسؤولية. فلهذا نرى الإنسان ينساب وراء الغوغائية والفوضوية. فمرةً يعبد الأوثان ، ومرةً يعبد الهوى ، ومرة يعبد الشهوات ، ومرةً لا يلتزم بمعبودٍ مطلقاً ، حقاً كان ذلك أو باطلاً ، كما هو الحال في هذا الملك الجبار مع قومه.

​هذه نماذج تعرض لنا ألواناً من تصرفات الإنسان وهناك نماذج أخرى لا يسعها المقام ولا يقوم بها حصر ، فكلما رمينا بأبصارنا في عمق الزمن رأينا فيه هذه العينات الشاذة والبعيدة كل البعد عن الطبيعة الإنسانية الخيّرة.


مقالات مشابهة