فلسفة الإشراقيين
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ومن هذا المعنى جاء القول والحديث عن مذهب الإشراقيين وفلسفتهم ، وهؤلاء قسم من تلاميذ إفلاطون ، وكان هؤلاء التلاميذ ينقسمون إلى ثلاث فرق :
الفرقة الأولى : وهم الإشراقيون ، وهم الذين جردوا ألواح عقولهم عن النقوش الكونية ، فأشرقت عليهم لمعات أنوار الحكمة من لوح النفس الإفلاطونية من غير توسط العبارات ، وتخلل الإشارات . وقال السهروردي :
إن الإشراق في الإصطلاح هو: ظهور الأنوار العقلية ، أي ان النور على نوعين : ظاهر كنور الشمس ، وباطن كنور العقل ، وهذا النور هو المراد بالإشراق . وهو الذي أشارت له العبارة المطروحة بين يدي هذا البحث .
والسهروردي الشهير بفلسفته الإشراقية يؤمن بفكرة التصوف ، ويكفر بما يصطدم مع العقل كقمع الشهوات من الأساس ، ولا يمنع البحث والدرس ، ولكنه يقول :
من الممكن والجائز أن يصبح العقل مجرد نور كنور الشمس والكهرباء عن طريق جهاد النفس ، وحملها على الفضائل ، وترويضها على الحد من الأهواء ، وعندئذ يتم للعقل الإستعداد لتلقي الغيب من الله في النوم أو اليقظة .
قال في كتاب هياكل النور ( ص ٨٥ ) : ( النفوس العاقلة إنما يشغلها عن عللها سلطان القوى البدنية ، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية ضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر ، وعندئذ تتخلص أحيانا إلى عالم القدس ، وتتصل بالله . وتتلقى منه المعارف ) . ثم ضرب السهروردي مثالا لذلك بقوله : إن الحديدة إذا قربت من النار تصير حامية مثلها ، وتفعل فعلها ، وهكذا العقل الخالص إذا قرب من نور الأنوار - أي من الله - يستشرق ويستضيء بنور الله .
وباسلوب آخر : إن اكثر الصوفية أو الكثير منهم لا يقيمون أي وزن وشأن للعقل ونظره ، ويعتمدون على الرياضة الروحية وتجربتها كطريق وحيد للإتصال بالله بلا واسطة العقل ، أما الإشراقيون فيعتبرون هذه الرياضة وسيلة لصفاء العقل وخلوصه من الشوائب ، وعن طريقه يتم الإتصال به سبحانه . ومعنى هذا أن الإشراق ضرب من التصوف ، والفرق بين الإشراقي وغيره من الصوفية ، أن غير الإشراقي يتصل بالله بواسطة الرياضة فقط ، ولا حاجة به إلى العقل ، أما الإشراقي فيتصل به - تعالى - عن طريق العقل الخالص الذي تم نقاؤه وصفاؤه من الهوى بعملية التدريب والترويض ، وبكلمة أخرى الإشراق تصوف عقلي .
ومما تقدم ندرك شدة التقارب بين مذهب الإشراق ومذهب الصوفية ونقطة الإلتقاء بينهما هو الإعتماد على الجانب الروحي مع اختلاف في الواسطة من العقل إلى الرياضة .
الفرقة الثانية : الرواقيون : وهم الذين كانوا يجلسون في رواق بيت إفلاطون ، ويقتبسون الحكمة من عباراته وإشاراته ، ولهم مدرسة فلسفية تنسب إلى الفيلسوف اليوناني ( زينون ) وكان يعلم تلاميذه في رواق وهو سقف في مقدم البيت ، وربما قيل هذا بغض النظر عن تلاميذ أفلاطون ، الذين كانوا في رواق بيته ، وربما ظهر اسمهم ( الرواقية ) من عصر هذا العالم ( زينون حوالي ٤٩٠ - ٤٣٠ ق . م ) .
ومن تعاليم هذه المدرسة الفلسفية : إن الحكيم لا يحزن على ما فات ، ولا يفرح بما هو آت ، وإن السعادة هي الفضيلة ، وهذا المفهوم مأخوذ من قوله - تعالى - ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ فإنه قد أسند الفوت إلى نفس الأشياء والإيتاء إلى الله - سبحانه - بأن الفوات والعدم ذاتي للأشياء ، فلو خليت ونفسها لم تبق ، بخلاف حصولها وبقائها ، فإنه لا بد من إستنادها إلى الله تعالى .
وفي تفسير القمي بإسناده عن حفص بن غياث قال : قلت لابي عبد الله - عليه السلام - : جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا ؟ فقال : قد حده الله في كتابه فقال - عز وجل - : ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ .
وفي نهج البلاغة قال - عليه السلام - : الزهد كله بين كلمتين من القرآن ، قال الله تعالى : ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه .
وفي هذا المعنى جرت هذه الأبيات ضمن البحث :
الزهد من أعلى المراتب رتبة طرفاه دين قائم الأركان
لا تأسفن لما مضى من هذه الدنيا فكل الخير في الإيمان
أو تفرحن بما أتاك فإنما هو زائل لكنه بزمان
إن الأسى لو قد علمت مزايل لمراتب التقوى من الأديان
فأرح ضميرك من عناء وساوس فالله خط مصاير الإنسان
الفرقة الثالثة : المشاؤون : وهم الذين كانوا يمشون في ركاب أفلاطون ، ويتلقون منه فرائد الحكمة في تلك الحالة ، وكان أرسطو من هؤلاء ، وربما يقال : إن المشائين هم الذين كانوا يمشون في ركاب أرسطو لا في ركاب إفلاطون ؛ لان المشهور عن أرسطو أنه كان يعلم تلاميذه الفلسفة ماشيا .
ومما تقدم ندرك أن إشراقة القلوب وإنارتها ليس بالنور المادي الذي يكون مصدره المادة ، ولكن معنى ذلك هو الأخذ بها إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ، وهدايتها إليه ، وتعريفها بما ينبغي أن تكون عليه ، وهو معرفة الحق سبحانه لكي توحده فتعبده عبادة خالصة لا يشوبها كدر الشرك ، وبعد هذا كله تحبيب جميع أنواع الطاعات لكي تأتي عن رغبة من العبد ، وبذلك يتضاعف ثوابها .
ولذلك فإنه - عليه السلام - وصل كلامه بقوله : ( وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ) وإزالة الأغيار يعني نفي كل ما من شأنه أن يتعلق به القلب ، فإنه - سبحانه - عندما يصرف قلوب أحبائه عن محبة غيره ، ويجتذبها إليه فإن ذلك لخير يريده سبحانه بعبده .
وبنظرة تأمل أخرى نقول : إن إزالة الأغيار عن قلوب الأحبة يعني تطهيرها وحصرها في محبته فقط بتوفيقهم إلى الطاعة وترغيبهم إليها ، وهذا من شأنه حصر المحبة أيضا منهم لله - سبحانه - دون سواه . فإذا ثبتت محبته - تعالى - في قلوب أوليائه وأحبائه لم يعتمدوا على غيره ، ولم يلجأوا إلى أحد سواه ، وهذا ما أشارت له العبارة في قوله - عليه السلام - ( ولم يلجأوا إلى غيرك ) ؛ لأن اللجوء إلى غيره - سبحانه - يعني إيجاد العديل والبديل لله ، وهذا ما لا يكون أبدا أن يعدل المحب بمحبوبه سواه ، لأن معنى ذلك مساواة المحبوب بغيره ، وهو باطل بالضرورة .
