أسر الهوى والشهوة
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
والهوى والشهوة هما من علائق الدنيا المادية البحتة ، فهما يصرفان الإنسان عن الطاعة التي توصله إلى المراتب العالية ، والتي يندفع الإنسان إليها بدافع القضاء والقدر ـ كما أسلفنا ـ والهوى والشهوة يمنعان الإنسان من بلوغ المراتب بصرفه عن العمل بها فيحدث بذلك التناقض بين اتجاهين مختلفين : العمل للدرجات العالية ، ودافع الهوى والشهوة الذي يمنع الإنسان من ذلك .
|
ونحن إذ نذكر الهوى والشهوة لا نعني بذلك الشهوات المحرمة ، أو الهوى الذي يردي الإنسان إلى مهاوي الردى ، ولكنا نعني الشهوات المباحة إذا تعلق الإنسان بها وأفرط في ممارستها فإنه ينصرف عن جديات الأمور ومعاليها في الحياة الدنيا . وقد أشار إلى ذلك الكتاب العزيز في قوله - تعالى - : (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة .. الآية) فقد ذكر العلماء وجوهاً في تفسير هذه الآية منها : ١ - ان الله - سبحانه - خلق هذه النعم التي فصلها وفصل حملها في الدنيا ، وخلق عباده غير ممتنعين من حب الإستكثار منها والانغماس فيها والإدّخار لها ، ثم تعبدهم - تعالى - في ذلك بخلاف ما في طباعهم وما عليه فطرة خلقهم ، وأمرهم أن يأخذوا الأشياء من وجوهها المباحة التي حلّلها ، ويعدل عن ما حظر عليهم منها ، ولم يأمرهم بشيء مما يحاربون فيه عواصي طباعهم ، ويجاهدون نوازع نفوسهم ، إلا وقد جعل فيهم من القوى والقدرة والإعتصام والجلل شككاً قوية وأسلحة منيعة . يمتنعون بها في حرب الطباع على قراع الشيطان ؛ لأنه تعالى لم يأمرهم بشيء إلا وجعل لهم الطريق إلى تركه . ٢ - قال بعضهم : معنى ( زين للناس حب الشهوات ) يكون : زين لهم الشيطان حبها ؛ لأن الله ـ سبحانه ـ قد نهى وزهّد فيها ، وقد قال الحسن البصري : ما نعلم أحداً اشدّ ذماً لها من الذي خلقها ، فكأن الشيطان دعاهم إلى موافقة طباعهم ، فاتبعوا أمره ، وخالفوا أمر الله - سبحانه - ؛ وذلك كما يقول الرجل زيّنت فلاناً في عين الأمير ، إذا أثنى عليه عنده ، وقرّبه من قلبه ، وأحسن من محضره في عينه وقد قال - سبحانه - : (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) . الأولى أن ينسب التزيين إلى من عادته التزيين ، وهو الشيطان ، وينسب التزهيد إلى من عادته التزهيد ، وهو الله ـ تعالى ـ ، وأي تزهيد أعظم من قوله ـ سبحانه ـ عقيب هذا الكلام : (ذلك متاع الحياة الدنيا) وقوله ـ تعالى ـ في موضع آخر : (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) وخبر - سبحانه - أن الحياة الدنيا ظل زائل ، وسنان مائل ، وخصاب ناصل . ٣ - وقول آخر . قال بعضهم : خلق الله هذه الأشياء إذ خلقها ، ليدل بما فيها من النعيم الفاني على ما في الآخرة من النعيم الباقي ، وجعل طباع الخلق منازعة إليها وراغبة فيها فهي مزينة من هذا الوجه الذي ذكرناه وإنما تزيينها المذموم وتحصين الإقدام عليها من الوجه المحظور ، والله - سبحانه - قد أمر عباده بالكف عنها والترك لها ، لينالوا بترك الإقدام على شهواتهم العاجلة ما وعدهم به من النعم الآجلة ، والنعيم الدائم الذي لا شوب فيه ولا انقطاع له ، كما قال ـ تعالى ـ : (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) ، وهذا ناطق بالغرض الذي ذكرناه كذلك خلق - سبحانه - المصائب والآلام بالدنيا ليدلّ بها على ما في الآخرة من مقادير العقاب ومآلم العذاب ، فيكون ذلك زاجراً عن مواقعة الخطيئات وارتكاب المحظورات ، وعلى هذا فسر قوله ـ سبحانه ـ في صفة النار : (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين) وكأنه - سبحانه - قال : إنما خلقنا النار في الدنيا وعرّفنا أليم وقعها ، ومضض لفحها ، تذكر بذلك نار الآخرة ، التي أوعدنا بها الكفار والعصاة ، فيكون الزجر أبلغ ، والإنزجار أكثر . و(المقوون) : ركّاب القواء . وهي : الأرض القفر . وإنما خص - سبحانه - المسافرين بأن لهم ـ وإن كانت أيضاً متاعاً للمقيمين ـ لأن الحاجة اليها في السفر أكثر ، وعدمها فيه أضر . وحقيقة الشهوة أنها كالقدرة ؛ لأن متعلقها بالقبيح تردد الداعي بين الحسن والقبيح ، فيصح التكليف ، كما أن تعلق القدرة بالقبيح يصح إختياره على الحسن أو اختيار الحسن عليه ، فيجب أن يكون حسناً ؛ لاسيما وقد ثبت أنه لا نظير لها في الشاهد يعتبر حالها به في حسن أو قبيح ؛ فيجب أن يرجع في جنسها إلى أنها بفعله - تعالى - وقد ثبت أنه لا يفعل القبيح ، وإن كان وجه حسنها يعبر بما ذكرناه في أثناء هذا الكلام . والهوى عندما يؤسر الإنسان بوثائق الشهوة يحتمل أن يكون : ١ - ان هذا الأسر قد يكون بزيادة تعلق الإنسان بزينة الدنيا وشهواتها - ونقصد المباح من ذلك - فهي وإن كانت غير محرمة إلا أنه بتتبعها يفرط في شيء كثير من أمور دنياه في جوانب أخرى ، وكذلك في أمور الآخرة . ٢ - وإما أن تكون هذه الشهوة من المحرمات ، وهذا غير وارد بالنسبة إليه ـ عليه السلام ـ كمعصوم ؛ لأن الأشياء المحرمة لا تنسب إلا لمن كانت نسبتها إليه محتملة . ثم طلب النصر من ربه بتلك الصيغة التي تخصص النصر والناصر ، ومعنى ذلك أنه لا يأتي إلا من عنده ، فقال - عليه السلام - : ( فكن أنت النصير لي ، حتى تنصرني ، وتبصرني ) . قد ذكر في ما مضى ما يقوله علماء البلاغة في أحوال المسند والمسند إليه ، وكلمة ( النصر ) تحصر طلب النصر منه - سبحانه - لأنه المخاطب بذلك وإلى هذا يشير قوله بعد ذلك ( حتى تنصرني ) لأني لا أطلب النصر إلا من عندك بموجب التخصيص المذكور في العبارة ، ومما يظهر من هذا النصر هو النصر المادي كقرينة قوله ـ عليه السلام ـ ( تبصرني ) ؛ لأن العطف بالواو يقتضي المغايرة ، والتبصير يعني الهداية من الداخل وإنارة القلب ، وهذا ما سوف يتعرض له في الفقرة اللاحقة ، وكأن النصر من عنده - تعالى - تثبيت للإنسان في عقيدته وإنارة له في بصيرته ؛ لأن اطمئنان القلب لا يأتي إلا بعد اطمئنان الجوارح ، واطمئنان الجوارح لا يأتي إلا بعد سلامتها ، وسلامتها لا تأتي إلا بعد النصر من الله - سبحانه - الذي يطلبه الإنسان ويلح فيه ، فانظر بأم عينيك إلى هذا الأسلوب الذي رصت كلماته ، فأخذت كل واحدة للأخرى وصارت جميعاً كالكلمة الواحدة لا تستطيع أن تحدث منها شيئاً ، وهذا من أروع ما يمكن أن يخاطب به الباري . قال في حقائق التأويل : إن النصرة قد تكون بالحجة إذا ظهرت للمؤمن على عدوه عن المنازعة ، وقد تكون بما يحصل له من التعظيم والكرامة ، وللكافر من الإذالة والإهانة ، وقد تكون في الحرب بالظفر والغلبة ، وقد تكون تحمل المشقة بما يؤدي إلى الاجر والمثوبة فلذلك نقول : إن المؤمنين إذا غلبوا في الدنيا لم يخرج الكفار - مع ذلك من أن يكونوا مخذولين ، من حيث كان ما فعلوه مؤدياً إلى عظم النكال وأليم العقاب ، ولم يخرج المؤمنون من أن يكونوا منصورين ، من كانوا يستحقون من الله - تعالى - الثواب الجزيل والمقام الشريف ، والله - تعالى - يؤيد المؤمنين في حروب الأعداء، وينصرهم بضروب من الألطاف ، فتارة ينصرهم بأن يمدهم بالملائكة ، وتارة ينصرهم بأن يخطر ببالهم ما أعد لهم من نعيم الجنة ، فتقوى بذلك أنفسهم ، وتثبيت أقدامهم ، ويتضاعف إقدامهم ، وقد يؤيدهم أيضاً بإلقاء الخوف في قلوب أعدائهم ، فيكون سبباً لتمكين المؤمنين من نواصيهم ، وأنزل الكافرين من صياصيهم . وربما علم - تعالى - في بعض المواطن أن الصلاح في أن لا يؤيدهم بشيء من ذلك ، فيحملهم التكليف الصعب ، ويلزمهم الشاق من الأمر ، إذا علم تعالى أن فيه الصلاح لهم ، فلا يكون مؤيداً لهم في باب الظفر والغلبة وإن كان فاعلاً بهم الأولى في باب المصلحة . أقول : إنما ذكره - رحمه الله - من أنواع النصر والظفر جرت له مصاديق كثيرة في كل نوع ، فمن استقرأ التاريخ الإسلامي وجد فيه كثيراً من هذه المصاديق خصوصاً أيام الرسول - صلى الله عيه وآله - وعلى الأخص في الأيام الأولى من أيام الدعوة كواقعة بدر وأحد والأحزاب وغيرها من الحروب التي زلزل المسلمون فيها زلزالاً شديداً . ثم بدأ - عليه السلام - يسأل الله السؤال الكثير ، لأنه - سبحانه - لا يعطي إلا الكثير قال - عليه السلام - : ( واغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي ) فسؤاله - عليه السلام - ليس مجرد السؤال ، ولكنه سؤال فيه إلحاح على الله - سبحانه - إلى حدّ الغنى ، فعدوله - عليه السلام - من قوله ( اعطني ) إلى قوله ( واغنني ) تشير بوضوح إلى أن العطاء لا يريده قليلاً ، ولكنه يريد العطاء من الله إلى حدّ الغنى ، والغنى للعبد قليل عند الله كثير عند العبد ، ثم توسل - عليه السلام - لهذا السؤال بقوله : ( بفضلك ) . |
