القرب والبعد من الله

 

الشيخ عباس الريس 


وهو منفي بالنسبة إلى الله - تعالى - لأن ذلك من شأن الأجسام المتحيزة في المكان، وهو - سبحانه - لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان - كما ورد في الآيات والروايات وهو واضح لا لبس فيه -.

​فقد ذكر الصدوق في كتاب التوحيد قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول في سجوده: (يا من علا فما شيء فوقه، يا من دنا فما شيء دونه، إغفر لي ولأصحابي).

​أما القرب المكاني بالنسبة إلى الإنسان فذلك وارد؛ لأن بعد الداعي عن المدعو والحال هذه لا يمكن أن يصل صوته إليه ومن جهة أخرى نقول: بأن القرب معناه سماع دعوة الداعي على كل حال ومعنى ذلك أنه ليس في مكان أقرب منه إلى مكان وهذا القرب المعنوي وإن كان يأتي في حق الإنسان أيضا كالرحم التي بينه وبين أهله، وقد يؤول بالمكان أيضا في نظرة بعيدة، إلا أنه لا يرد في هذا المقام ولا يمكن أن يقصده الحسين - عليه السلام - في هذا الكلام؛ لأن المقصود في مكان الدعوة هو الله - سبحانه -.

​على أن ما يرد في مثل هذا المقام بحسب الظروف المحيطة بجو الناسك تجعله قريبا من الله - سبحانه - وهو يعتقد ذلك أيضا وينشد إليه فيدعو في إخلاص وخشوع وثقة بالإجابة.

​والسؤال الذي يداعب العقل في هذه العبارة هو ما معنى قرب المدعو من الداعي، أو ما هو المقصود بذلك القرب بين الداعي والمدعو؟

​ويمكن الإجابة عن هذه التساؤلات بأنه إن كان المقصود هو سماع الدعوة فقد سبق أن قلنا بأنه سميع على كل حال، قريب مجيب. وإلى هذا أشار قوله - تعالى -: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) قال في الميزان: إن كون الداعين عبادا لله - تعالى - هو الموجب لقربه منهم، وقربه منهم هو الموجب لإجابته المطلقة لدعائهم، وإطلاق الإجابة يستلزم إطلاق الدعاء، فكل دعاء دعي به مجيبه، إلا أن ها هنا أمرا وهو أنه - تعالى - قيد قوله: أجيب دعوة الداعي بقوله إذا دعان، وهذا القيد غير الزائد على نفس المقيد بشيء، يدل على إشتراط الحقيقة دون التجوز والشبه، فإن قولنا: أصغ إلى قول الناصح إذا نصحك، أو أكرم العالم إذا كان عالما يدل على لزوم إتصافه بما يقتضيه حقيقة، فالناصح إذا قصد النصح بقوله فهو الذي يجب الإصغاء إلى قوله، والعالم إذا تحقق بعلمه وعمل بما علم كان هو الذي يجب إكرامه. فقوله - تعالى -: (إذا دعان) يدل على أن وعد الإجابة المطلقة، إنما هو إذا كان الداعي داعيا بحسب الحقيقة مريدا بحسب العلم الفطري والغريزي مواطئا لسانه مع قلبه، فإن حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة، دون ما يأتي به اللسان الذي يدور كيف ما أدير صدقا أو كذبا، جدا أو هزلا حقيقة أو مجازا، ولذلك ترى أنه - تعالى - عد ما لا عمل للسان فيه سؤالا. قال - تعالى -: (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) فهم في ما لا يحصونها من النعم داعون سائلون بلسانهم الظاهر، بل بلسان فقرهم واستحقاقهم لسانا فطريا وجوديا، وقال - تعالى -: (يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن) ودلالته على ما ذكرنا أظهر وأوضح.

​وإذا كان المقصود هو القرب المكاني فهو كما قلنا غير وارد، ولا متأت، بل هو مستحيل في نسبته إلى الله - تعالى -؛ لأنه هو الذي كون المكان، وأين الأين، ولأنه غير محتاج إليه، فنسبة القرب والبعد إليه بهذا اللحاظ غير واردة، ولكنه مع ذلك أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وقد جاء في المأثور من الأدعية عن أهل البيت - عليهم السلام - في ما ورد عن الإمام المنتظر - عجل الله فرجه الشريف - قوله: (... يا من بعد فلا يرى، وقرب فشهد النجوى... الدعاء) وورد عن الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام - في دعاء الصباح (.... يا من قرب من خواطر الظنون، وبعد عن لحظات العيون... الدعاء) وكل هذه تنطق بعدم نسبة المكان إليه، وجاء في بعض مناجاتهم - عليهم السلام -: (يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان).


مقالات مشابهة