كلمة همزة سماحة العلامة الشيخ صادق الدرازي
![]() |
| الشيخ صادق الدرازي |
تندرج هذه الكلمة التي صاغ يراع الشيخ صادق الدرازي سطورها، ووسمها بـ"كلمة همزة"، ضمن أدب السيرة الوجدانية والرثاء الصادق، حيث يقدم الكاتب شهادة مفعمة بعرفان التلميذ لأستاذه العلامة الشيخ عباس أحمد الريس. وتُبرز الكلمة بأسلوب أدبي رصين عبقرية الشيخ الراحل في المزاوجة بين غزارة علمه وبساطته الآسرة التي أذابت الفوارق مع تلامذته ومجتمعه، فكان المربي الملهم الذي يبث الثقة في النفوس ويدفعها نحو معالي الأمور في الفقه والأدب، قبل أن تتجلى فداحة الفقد برحيله، ليُدرك تلامذته أنه كان المحور الذي ينتظم عقد جمعهم، وأن علمه الغزير كان متبلاً بروحية فريدة جعلته معلماً لا يُنسى وأباً روحياً يحتضن الجميع.
أولاً: نص الكلمة
كلمة همزة
الشيخ صادق الدرازي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على المصطفى وآله الميامين الهداة.
يأخذ الناس سبلاً مختلفة ليعبّروا عن عُظْم شخصية ما ويصفوا مقدار اتساعها وعُلوّها، وأنا في هذه الأسطر الضئيلة أرى أن من باب الوفاء للأستاذ والمربي والمعلّم أن يذكره أصغر تلاميذه شأناً وأقلهم انتفاعاً بفيضه، وهذا ليس من باب التواضع في شيء، فقد أدركت مؤخراً أنني لم أستفد من فرص كثيرة للإفادة من عطائه الغزير.
ببساطة كان يعاملنا بكل أريحية وبعيداً عن كل معاني الكلفة، في دعاباته ونكاته، وسؤاله الحثيث عن الصغير والكبير، وعن المناسبات التي تخص أي جليس له، والظروف الخاصة التي يمر بها، وعفوية الأهالي في تعاملهم معه ورفع قضاياهم إليه واحتضانه الدافئ لكل المشاحنات والاختلافات، ورفع كل الحواجز التي تشعر المرء بتفاوت المسافات في كل أنحاء التعامل، بهذا كله وأكثر كنا نعرف الشيخ، حتى كدنا أن ننسى الفارق بين الحصوة والجبل ورأينا في سكرة الغفلة قد صرنا كباراً في كل الميادين التي كان يفتحها لنا، فحين فتح لنا ميدان الشعر رأينا أننا في مصاف أولئك العمالقة من شوقي والجواهري نظن أننا نجاريهم في ما يبدعون، وحين فتح لنا باب الفقه والأصول رأينا أننا أهل لمناقشة أولئك الأساطين في آرائهم، وحين فتح لنا باب اللغة والنحو تجرأنا على فحولها وكدنا ننزع الصولجان منهم. إن هذا الدفع والتوجيه التشجيعي يجعلك تندفع بقوة، متجاهلاً ذلك الانتفاخ المرافق لكل فرخ ينمو عليه الزغب وهو يظن أنه نسر يفرد جناحيه ويستعرض بهما القمم الشاهقة.
ولكن حين أفقنا ذات صباح على رحيله الفاجع عرفنا حينئذٍ كم كان كبيراً، وكم كنا صغاراً.
عرفنا أننا كنا نتنفس بروحه ورئته، وعرفنا أن تلك المواظبة العجيبة والدائبة على تلك المجالس سواء في بيته أو في بيت غيره، إنما كانت لأجله، ولم يشعر أحد أنه كان الخيط الذي ينظم حباتنا المتناثرة في قلادة بديعة.
لا ريب أن هناك من هو أعلم منه في جميع ما أتقنه، لكنه لن يكون مثله، فإن كل معلومة يطلقها كانت متبلة بشيء منه لا يوجد في غيره، ونكهة تشعرك أنك أمام بحر لُجّي لكن يمكنك خوضه والسباحة فيه.
وإذا كانت هذه الوقفة من أجل الجانب الأدبي في هذه الشخصية الفريدة، فإنك حين تطل على شخصيته لا تملك نفسك عن النظر في أبعادها المختلفة، وبصماتها العميقة في سائر المجالات، سيما تلك الجاذبية الآسرة والإخلاص الشفاف الذي يأخذ بمجامع القلوب.
هناك خصوصية في الشيخ رحمه الله تجعل كل من يلتقي به ينجذب إليه رغم شعوره بأنه أمام علم غزير وأمام قامة أدبية شامخة، هذا الانجذاب الذي يشعر الإنسان فيه بالأمان، ولا يرى عائقاً أمامه يحول دون التعبير عن نفسه وإبرازها، وتتحرر في داخله الإمكانات والقوى، ويرى أن بمقدوره أن يفعل أي شيء.
وبكلمة: أنه لا يشعر برهبة وخشية أمام هذا العالم، ولا يتخذ موقف المدافع عن كيانه ووجوده، ولا يتعرقل شيء أمام تدفقه وانسيابيته.
لقد استطاع الشيخ رحمه الله أن ينفذ إلى تفاصيل الناس دون أن يشعروا بأي نوع من الوحشة والتردد، ودون أن يحولوا دون إطلاعه عليها ووضعها أمامه في محبة عفوية.
الشيخ كان فقيداً للعلم والأدب والإيمان والمنبر، والأسلوب المربي الذي يحملك على التخلق بالفضيلة دون أن يدعوك لها.
بخشوع وحب أنحني أمام هذه الروح الكبيرة، سائلاً المولى الرحيم أن يغمره بلطفه ورحمته وأن يحشره مع ساداته الذين خدمهم طيلة حياته.
