الإلحاح في المسألة

الشيخ عباس الريس 


أما قوله - عليه السلام - : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين ) والسؤال مرة يكون للإستفهام عن شيء مجهول فيأتي الجواب بذكر المسؤول عنه فيرفع الإبهام ، هذا بالنسبة إلى ما يرد على خاطر الإنسان للإنسان .

​أما السؤال إلى الله فهو يختلف عن ذلك كل الإختلاف ؛ لأنه يقصد منه العطاء ، وقد يسأل الإنسان من الله - تعالى - عطاء لكنه ليس بتلك الصيغة المتعارفة بين الناس ، فقد أمر الله - تبارك وتعالى - بسؤاله ، بل والإلحاح في ذلك السؤال ، وحبب ذلك لنفسه ، ولكنه كرهه لغيره من الإنسان إلى الإنسان ، فقال - تعالى - : ﴿ تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ﴾ ، ولكنه - سبحانه - ندب عباده لذلك - كما قلنا - في سؤالهم إياه فقال - تعالى - : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ﴾ . فظاهر الآية أنها مسوقة للنهي عن تمني فضل وزيادة موجودة ثابتة بين الناس وأنه ناشىء عن تلبس بعض طائفتي الرجال والنساء بهذا الفضل ، وأنه ينبغي الإعراض عن التعلق بمن له الفضل ، والتعلق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده - تعالى - وبهذا يتعين بأن المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله - تعالى كلا من طائفتي الرجال والنساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلق بالطائفتين كلتيهما لمزية الرجال على النساء في عدد الزوجات ، وزيادة السهم في الميراث ومزية النساء على الرجال في وجوب جعل المهر لهن ، ووجوب نفقتهن على الرجال .

​فالنهي عن تمني هذه المزية التي اختص بها صاحبها إنما هو لقطع شجرة الشر والفساد من أصلها ، فإن هذه المزايا مما تتعلق به النفس الإنسانية لما أودعه الله في النفوس من حبها والسعي لها لعمارة هذه الدار . فيظهر الأمر أولا في صورة التمني ، فإذا تكرر تبدل حسدا مبطنا ، فإذا أديم عليه فاستقر في القلب سرى إلى مقام العمل والفعل الخارجي .

​ومن هنا يظهر أن النهي عن التمني نهي إرشادي تعود مصلحته إلى مصلحة حفظ الأحكام المشرعة المذكورة ، وليس بنهي مولوي . قاله في الميزان .

​وعلى هذا يمكن القول بأن السؤال إلى الله - سبحانه - ينقسم إلى قسمين :

​وهو أن يسأل الله شيئا هو نوع من التمني ، وهو الذي يكون ضربا من المستحيل ، وهذا لا تتعلق به القدرة قطعا ، لا لنقص في تلك القدرة الإلهية ، بل نقص في ذلك المستحيل . فإنه إنما نهى الله عن ذلك في الآية السابقة لأن الدعاء بهذا التمني هو نوع من العبث . وشيء آخر وهو أن الإنسان تعتريه خيبة أمل ، ويساوره سوء الظن بربه إذا لم يستجب له دعاؤه في طلب المستحيل .

​وهو أن يسأل الله شيئا ممكنا كما شرع الله وأمر وفي هذا السؤال أو الدعاء تتحقق الإجابة إذا توفرت شروط الدعاء ، وقد عرضنا ذلك في ما مضى من أبحاث الكتاب .

​أما قوله - عليه السلام - : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللين المسبحين ) فإن التهليل - كما ورد في فصل اللغة - هو أن ينطق الإنسان بكلمة الإخلاص ( لا إله إلا الله ) والتسبيح هو أن يقول الرجل : ( سبحان الله ) وقد جمعتا في هذه العبارة فكأنه يقول : إني أقول هذا وأفعله وأعتقده في آن واحد . والتهليل والتسبيح هما من أبرز العبادات عند الإنسان لانهما تختصان به - سبحانه - ، فلا تقالان لأحد سواه ، فكأنه - عليه السلام - بعد أن ذكر أنه من السائلين والسائل يريد العطاء هلل وسبح ، وهما قولتان من أعظم ما يقول العبد لمولاه . ومعنى ذلك أنه يوحده بهاتين الكلمتين اللتين جمعتا كثيرا من المحامد ، فهو قد تقرب إلى الله بأحب صفاته إليه ، لأنهما من أخص الصفات ، وجعلهما وسيلة لإحراز مطلبه الذي سأل الله أن يعطيه .

 

مقالات مشابهة