علم الغيب

الشيخ عباس الريس 




ثم يواصل - عليه السلام - كلامه بهذا المعنى فيقول (ولا ما استقر في المكنون، ولا ما انطوت عليه مضمرات القلوب) وهذا كله مضافاً إلى ما تقدم من علم الغيب، فمعنى الإستقرار في المكنون البقاء في علم الغيب، وتكاد الجملتان أن تنطبقا كل منهما على الأخرى تمام الإنطباق في المعنى، إلا أنه عند التأمل لا يخلو من تفاوت بسيط لا يستحق الذكر، وإذا رجعنا إلى معنى المكنون وجدنا أن هذه الكلمة تعني المخزون، وهو ما لم يظهر للناس ولم يعرفه أحد، وهذا هو معنى الغيب، وقد عرّفوه بتعريفات كثيرة وأسلمها أنه خلاف الشهادة، وينطبق على ما لا يقع عليه الحس، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا، ومنها الوحي.

​وقد ذكروا حقيقة السبب في اختصاص العلم بالغيب به تعالى أن غيره أياً ما كان محدود الوجود لا سبيل له إلى الخارج منه الغائب عنه من حيث إنه غائب، ولا شيء غير محدود، ولا غير متناه محيط بكل شيء إلا الله سبحانه فله العلم بالغيب.

​ولكنه سبحانه ذكر في كتابه المجيد أنه ربما أظهر على غيبه بعض من يرتضي وذلك في قوله - تعالى - ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً﴾ قال في الميزان: ومفاد الكلمة ﴿عالم الغيب﴾ بإعانة من السياق إختصاص علم الغيب به ـ سبحانه وتعالى ـ مع إستيعاب علمه كل غيب، وإذا أضاف الغيب إلى نفسه ثانياً فقال: ﴿على غيبه﴾ بوضع الظاهر موضع المضمر ليفيد الإختصاص.

​والمعنى هو عالم كل غيب علماً يختص به فلا يطلع على الغيب أحداً من الناس، فالمفاد سلب كلي وإن أصر بعضهم على كونه جزئياً محصل معناه لا يظهر على كل غيبه أحدا.

​ثم استثنى من ذلك ﴿من ارتضى﴾ فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به، فالآية إذا انضمت إلى الآيات التي تخص علم الغيب به تعالى كقوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ وقوله ﴿ولله غيب السموات والأرض﴾ وغيرهما، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعية فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، وغير تعلمه بتعليم من الله.

​أما مضمرات القلوب فربما توجه إلى وجهين:

الأول: هو ما يكنه الإنسان إبتداءً في القلب وهو من محض تصوراته وتخيلاته التي يخترعها قلبه فتبقى تراوده من حين لآخر في يقظته ونومه.

الثاني: وهو ما يرد على الإنسان من مؤثرات خارجية من خير أو شر، وربما اختلفت هذه المؤثرات شدة وضعفاً، ومن ثم تختلف مدة بقائها في القلب فلا تنسى، ولكن بعضها لا يلبث أن يتلاشى، غير أن البعض الآخر لا يزال باقياً وذلك بحكم قوة المؤثر. وهذه لا يعرف عنها الإنسان كل الإنسان من أصحاب الإحساس المرهف، فالبعض يدرك بعض التلاشي، والبعض الآخر لا يدركه، وبعض ينسى، ولا ينسى البعض الآخر، ولذلك يبقى الإنسان يتذكر حادثة تمر عليه، فربما ذكرها إجمالاً، ولكنها تغيب عنه تفصيلاً غير أن الله سبحانه هو عالم بذلك كله لا تخفى عليه خافية وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما﴾ قال في مجمع البيان: يعلم ما في قلوبكم من الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض، وهو أعلم بمصالح عباده حليم في ترك معاجلتهم بالعقوبة.

​ومما تقدم من الكلام يتجلى معنى قوله - عليه السلام - (ولا ما انطوت عليه مضمرات القلوب) فإن من مضمرات القلوب السخط والرضا والنفاق والإيمان وغير ذلك مما ليس بالأشياء المادية أو تدرك بالحواس، أو يعلم بها أحد؛ وذلك لأن القلب هو (المنطقة الحرام) البعيدة عن كل المؤثرات الخارجية - كما ذكرنا ذلك مراراً - إلا أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل ما في القلب من خطرات، وكل ما يعتريه من حالات إنفعالية بحتة، ويضرب لنا التاريخ مثلاً من سيرة الإمام الحسين - عليه السلام -، إنه في مسيره إلى العراق لقيه الفرزدق خارجاً من الكوفة، فسأله عن حال الناس فيها، فقال: يابن رسول الله خلفتهم قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

​ومعنى ذلك أن القلوب لم يؤثر فيها عبيد الله بن زياد بقهره وشدة بطشه، فهو وإن سخر الأجسام وحملها السيوف لحرب الحسين - عليه السلام - إلا أن القلوب لم يستطع على إمالتها ضد الحسين. وهكذا نرى أن القلب بمكانه الجغرافي من أعضاء البدن بعيد عن المؤثرات الخارجية، إلا أنه سريع التأثر بها قريب الإنفعال. ومعنى ذلك أن الآثار المتعمدة لا يمكن أن تصل إليه، ولكنه فيما إذا أراد التأثر هو نفسه فإن باستطاعته ذلك.


مقالات مشابهة