روايات أهل البيت تنفي الجسمية

الشيخ عباس الريس 


أما ما ورد عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» فهو ناطق بنفي الجسمية عنه «تعالى»، بل نفي كل ما يستشم منه القول بالتشبيه والتجسيم. وقد خاض علماء الإمامية حربا شعواء ضد أولئك الذين كانوا يحملون لواء القول بالتجسيم والتشبيه.

​ومن جملة تلك الروايات التي ورد فيها التشنيع عن أهل البيت على أصحاب هذا القول، ما رواه في الكافي عن أبي عبد الله الصادق «عليه السلام» قال: (سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحد، ولا يحس، ولا يجس، ولا يحيط به شيء، ولا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط ولا تحديد).

​وما رواه في الكافي عن حمزة بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا «عليه السلام» أسئلة عن الجسم والصورة فكتب: (سبحان من ليس كمثله شيء، لا جسم ولا صورة).

​هذه الروايات وغيرها الكثير ناطقة بدحض التشبيه والتجسيم؛ وذلك أن هذه النظريات الباهتة مما أوحى به الشيطان إلى عقولهم التي لا يفقهون بها، وأوصلهم تفكيرهم بهذا الملاك إلى ذلك. إن كل صورة يصورها العقل للذات المقدسة فهي مرفوضة ومردودة عليه؛ لأنها لا تشير إلى حقيقة من قريب ولا بعيد. وقد ورد عن أهل البيت «عليهم السلام» بأن التجسيم هو نوع من الشرك، جاء عن الإمام الرضا «عليه السلام» (الغلاة كفار، والمفوضة مشركون، ومن جالسهم أو واكلهم، أو شاربهم، أو واصلهم، أو زوجهم، أو تزوج منهم، أو أمنهم، أو ائتمنهم على شيء، أو صدق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عز وجل وولاية الرسول، وولايتنا أهل البيت). هذا الحديث وإن لم يشر فيه إلى فكرة التجسيم إلا أنه قد وصم بالشرك ونسبه إلى من قال بالتفويض وهذا يدل على أن الإسلام له إحساس مرهف ومواقف متشددة في مسألة التوحيد، ومن أراد أن يتوسع في هذا الموضوع فعليه بالكتب المبسوطة في علم الكلام.

​أما تقديس أسمائه «تبارك وتعالى» وتعظيم آلائه، فبحسب ما مر في بحث اللغة هو تطهير أسمائه، ومنها أسماء الذات، وأسماء الصفات، كما مرت الإشارة إلى ذلك تطهيرها، ومعنى تطهيرها أو طهارتها اعتبارها كذلك أي ليس فيها عيب، فإنه يجب على الإنسان المسلم أن يعترف بأن أسماءه «سبحانه» كلها طاهرة ومقدسة، ولهذا فإنها قد وصفت بالحسنى قال تعالى: (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ... الخ).

​قال العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ما معناه: إن أسماء الله تنقسم إلى قسمين:

​الأول: الأسماء الكريمة، وهي مذكورة في الآيتين السابقتين لهذه الآية من سورة الحشر، وهي من لوازم الربوبية، ومالكية التدبير، التي يتفرع عليها الألوهية والعبودية بالحق، وهي نحو الأصالة والاستقلال لله، وحده لا شريك له في ذلك.

​فالأسماء الكريمة بمنزلة التعليل للاختصاص به تعالى، كأنه قيل: لا إله إلا هو؛ لأنه عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم؛ ولذا أيضا ذيل هذه الأسماء السابقة الذكر بقوله ثناء عليه (سبحان الله عما يشركون).

​الثاني: الأسماء الحسنى وهي الأسماء عن آخرها لكون الأسماء جمعا محلى باللام وهو يفيد العموم.

​وقد تبين من هاتين النقطتين أن له - تبارك وتعالى - أسماء خاصة لا يشاركه فيها غيره، كالخالق والبارئ والمصور... الخ. وهناك أسماء مشتركة بينه وبين عباده كالمتكلم والعالم والسميع. وبهذا الاعتبار يكون بينهما عموم وخصوص مطلق.

​أما النعم التي انطوت في كلامه من هذه الفقرة (فأي نعمك يا إلهي أحصى عددا أو ذكرا الخ) فهي أكثر من أن تحصى، كما قال في الدعاء، وهي أعم من الرزق، والعطايا أعم من النعم، فهي من باب ذكر العام بعد الخاص، قال تعالى: (فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا). وهو يشعر بالاهتمام بالمتقدم - كما ذكر ذلك علماء البلاغة - وهذه النعم كما تقدم ذكر بعضها يقر بعجزه عن إحصائها ففي كل لحظة من حياة الإنسان تجدد عليه النعم، ويدفع عنه كثير من النقم؛ ذلك لأن الله «سبحانه» قد تعهد برزق الإنسان فأفاض عليه الخير، وتعهد بألا يكله إلى نفسه طرفة عين فصرف عنه الشر فهو مدين دائما وأبدا سواء كان جنينا أو طفلا، وسواء كان مكلفا أم غير مكلف.

​ولو ألقينا نظرة فاحصة في أي جهة من جهات الإنسان التي تتمثل فيها هذه النعم لشعرنا بالعجز لأول وهلة، ووقفنا أمام إحداها مبهورين مبهوتين خائبين خاسئين لهول ما نرى من عظمة النعمة، وآثارها.

​ولا نريد أن نتعدى في ذلك إلى أكثر من الإنسان في جسمه الظاهر الذي لا يفتر عن الحركة، والسكون المتبادلين ففي هذا الجسم الظاهر للإنسان عمليات كيميائية معقدة إخراجا وإدخالا، فهناك عمليات يقوم بها الجسم بالتنسيق بين أعضائه للاستفادة من المواد الغذائية التي يتناولها الإنسان الطازجة منها والمطبوخة، وهناك عمليات مضادة يقوم بها الجسم لرد أي هجوم جرثومي وبائي، فهو يدافع عن الجسم دفاع المستميت ليدرأ عنه الشر، فإن شئت فعبر عنه (أي الجسم) بأنه دولة كاملة التنظيم لها قوانينها الخاصة كل يسير في حدود مسؤوليته التي أنيطت به لا يتعداها ولا يستهين بها وذلك بتدبير من السميع العليم.

​وإذا قلنا بأن الإنسان لا يستطيع أن يحصي هذه النعم، ليس من الضروري أن المقصود بذلك هو العد التنازلي، أو التصاعدي للأعداد المتوالية والمتسلسلة، فإن الإنسان بإمكانه أن يحصي الملايين خصوصا بعد أن ظهرت الآلات الحاسبة الإلكترونية التي تعطيك الجواب لأعقد المسائل الرياضية بضغطة على زر سحرية، ولكن المقصود بتلك النعم هي التي أفاضها الله «سبحانه» على الإنسان سواء كان يعلمها الإنسان أم لا، يهتدي إليها أم لا؛ لأنها موجودة حاضرة بين يديه في خارجه، وفي داخل جسمه المعقد التركيب - كما مر -.

​فالإنسان لم يعرف إلى زمن قريب ما يدور من الصراع بين أعضاء الجسم، ومواده الدهنية والزلالية، أو حماية الجدار المعوي الجسم حماية تامة تقريبا من غزو ذرات تخص أنسجة كائنات أخرى، وذلك بمقاومة تسرب البروتينات الحيوانية أو النباتية إلى الدم، وهذا يسمح أحيانا لمثل هذه البروتينات بالدخول، وعلى ذلك فقد يصبح الجسم حساسا أو مقاوما لكثير من المواد الغريبة ولكن في صمت وهدوء. إذ أن الحاجز الذي تقيمه الأمعاء ضد العالم الخارجي ليس غير قابل للعبور.

​إن من النعم الخفية التي لا يمكن للإنسان أن يحصيها أن الأغشية المخاطية للأمعاء ليست قادرة دائما على هضم أو امتصاص عناصر معينة من الطعام لا غنى عنها. وفي مثل هذه الحالة فإن هذه المواد لو وجدت في القناة المعوية لن تستطيع دخول أنسجتنا، والحق أن العناصر الكيميائية للعالم الخارجي تؤثر في كل فرد بطرق مختلفة تبعا للتركيب النوعي لأغشية إمعائه المخاطية، ومن هذه العناصر تبنى أنسجتنا، وأخلاطنا.

​لقد خلق الله «سبحانه» الإنسان من تراب الأرض - كما مر - ثم جعله الله بهذا المستوى من الخلق، يعالج نفسه بنفسه، وذلك فيما إذا كان الإنسان قد انتبه إلى ما يودعه في جوفه من الطعام، فإن النعمة قد تتحول بسوء التصرف إلى نقمة، وينقلب السحر على الساحر.

​إن ألوان الطعام المختلفة، وأشكاله المتباينة التي يستسيغ الإنسان أن يعددها وينمقها على خوانه بين وجبة وأخرى من طعامه لا يمكن أن نقول بأنها تعود عليه بمردود إيجابي بالضرورة، حتى ولو كان لديه مناعة ضد الجراثيم، والطفيليات المختلفة. فإن العصارات والإفرازات المكلفة بهضم الطعام الذي يتناوله الإنسان في أشكاله المختلفة، لا يمكن أن نقول بأنها تؤثر أثرها المطلوب في آن واحد على أصناف الطعام؛ ذلك أن هذه الألوان من الطعام تختلف كميات الدهون التي تحويها فتسبب صعوبة في الهضم، وسهولة بين الأنواع المختلفة. ومن ثم يتسبب عن ذلك الاضطراب في الهضم، والإصابة بالالتهابات المعدية والمعوية المختلفة.

​إن أمير المؤمنين «عليه السلام» عندما يقول لإبنته: أتقدمين لأبيك ادامين في طبق واحد بلهجة المستغرب المنكر، فإنه ليس من الضروري أن المقصود من ذلك الزهد والتقشف فقط، بل إضافة إلى ذلك أنه يجوز أن يقصد هذه الناحية الصحية الضرورية؛ لعلمه بأن تعدد الأنواع في الطعام من شأنه أن يسبب اضطرابات داخلية وتشويشا في عملية الهضم.

​وتوضيحا لهذا المراد نسوق مثالا بسيطا وهو أن الإنسان لو تناول سمكا ولحما في وجبة واحدة فإنه سيدخل الجوف في وقت واحد، والذي يحدث بعد ذلك هو أن المعدة ستقوم بدورها في إفراز ما يلزم لهضم هذين الادامين من الطعام (السمك واللحم)، ومن المؤكد هو أن السمك لا يساوي اللحم ويجاريه في عملية الهضم فباختلاف هضمهما، إما أن تفرز المعدة عصارات أخرى لهضم ما تبقى من الطعام فيحدث اضطراب داخلها، وإما أن تقذف بهما معا خارجها وبذلك لا يستفيد الجسم من هذا الطعام الغير مهضوم، إضافة إلى ما يسببه ذلك من التهابات معوية عند مرور الطعام في الأمعاء وهو غير مهضوم.

​ولقد ورد عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فيما ورد من سيرة الإمام أبي الحسن الثاني «عليه السلام» لما أن جمع المأمون بينه، وبين الطبيب الهندي الذي جاء من أقصى البلاد ليناظر المسلمين في علومهم وما بلغوا إليه. فكان قد سأل فيما سأل عن علوم الطب فقال له الرضا «عليه السلام»: أما قرآننا فقد جاء فيه: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، وأما نبينا فإنه قد قال في هذا المعنى (المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء). فقال الطبيب الهندي: ما ترك قرآنكم ونبيكم شيئا في الطب إلا ذكراه.

​لكن سياق العبارة في الدعاء: (وهي يا رب أكثر من أن يحصيها العادون) يقتضي أن يكون هذا الإحصاء بمعنى معرفة أعداد النعم التي أفاضها الله على الإنسان، فإن كلمة (يحصيها) تشير إلى ذلك بوضوح، ومعرفة العد التنازلي والتصاعدي هو مرادف لكلمة الإحصاء؛ لأنه لا يمكن معرفة ذلك العد إلا بإحدى هاتين الطريقين. وإذا صح هذا المعنى قلنا:

​إن الإنسان المتقدم والمتحضر جدا بما أوتي من فهم، وبما ابتكر من وسائل للعدد والإحصاء من آلات حاسبة الكترونية سريعة، والتي أشرنا إليها من قبل، مع كل هذا فإن النعم الإلهية هي أكثر، وأعظم من أن تحصى ولو بهذه الآلات الحاسبة المتطورة؛ ذلك لأن النعم تتجدد كلما تجدد عمر الإنسان، وتتجدد كلما تجدد شكره للنعم.

​ففي كل لحظة من لحظات حياته مهما قصرت تعتريه نعمة وتدفع عنه نقمة، وما توفيقه إلى الطاعة، وإبعاده عن المعصية، وما هدايته النجدين، وتعريفه بطريق الخير والشر وغير ذلك من لوازم حياته وتصرفاته، إلا نعم تتوالى عليه من حيث يدري أو لا يدري.

​وإذا تعذر إحصاؤها فإنه من باب الأولى عدم العلم بها؛ لأن العلم بها مسبوق بمعرفة عددها.

 

مقالات مشابهة