العدل الإلهي

الشيخ عباس الريس 



 

إن العدل بهذا الإعتبار يتمم التوحيد ، وتتوقف عليه سائر الأصول من النبوة والإمامة والمعاد ؛ لأنه من أصول المذهب ، فهو وإن كان داخلاً في جملة صفاته تعالى ، وقد تقدم الكلام بصورة مختصرة في مواطن كثيرة من الجزء الأول والثاني ، ولكن في جوانب أخرى من جوانب هذا الموضوع المتشعبة إلا أنه يحمل معنى مستقلاً عن تلك الصفات لأنه تتوقف عليه كثير من أفعاله ـ تعالى ـ وتنزيهه عن العبثية في أفعاله بإثبات الحكمة منها كما تقدم الكلام عليه في صدر هذا البحث وكما هو وارد في النص الماثل أمامنا .

​فمعنى قولنا عادل مثلاً : انه حكيم ليس بظالم ، فهو إما من الصفات الكمالية أو الجلالية ، ولكنه أفرد لكثرة متعلقاته ليسهل فهمه . وقد ورد عن أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ قوله : ( التوحيد ألّا تتوهمه ، والعدل ألّا تتهمه ) .

​قال السيد عبدالله شبر في حق اليقين : العدل هو إعتقاد أنه تعالى عادل في مخلوقاته ، غير ظالم لهم ، لا يفعل قبيحاً ، ولا يخل بواجب ، ولا يجور في قضائه ، ولا يحيف في حكمه وابتلائه ، يثيب المطيعين، وله أن يعاقب العاصي ، ولا يكلف الخلق ما لا يطيقون ، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون ، ولا يقابل مستحق الأجر والثواب بأليم العذاب والعقاب ، وإنه ـ تعالى ـ لم يجبر عباده على الأفعال سيما القبيحة ويعاقبهم عليها ، والأدلة على ذلك مضافاً إلى الضرورة والبداهة من العقل والنقل كتاباً وسنّةً ، آية ورواية كثيرة لا تحصى .

​إن مسألة العدل الإلهي تختلف عن غيرها في أنها قد استولت على اهتمام عامة الناس ، فراح يفكر فيها القروي الأمّي ، والفيلسوف المفكر ؛ ولهذا فإن لمسألة العدل أهمية خاصة وموقعاً لا نظير له . وهذا ما يفسر لنا موقف العلماء المسلمين من الشيعة والمعتزلة الذين إعتبروا العدل ثاني أصل من أصول الدين . فلو كان العدل باعتباره صفة من صفات الله داخلاً ضمن أصول الدين لوجب أن نعد من أصول الدين صفات الله الأخرى من قبيل العلم والقدرة والإرادة ، ولكن هناك سبباً آخر لإعتبار الشيعة العدل واحداً من أصول الدين ـ وإن كان البعض يسميه أصلاً من أصول المذهب ـ وهو أن ( العدل ) صفة تحمل كثيراً من الصفات الإلهية ، وينطوي تحتها كثير من أفعال الباري ، كالحسن والقبح ـ كما أشرنا إلى ذلك في بعض المواطن من الكتاب .

​إلا أن الشيعة لم تختلف عن السنّة في بقية صفات الله ، وإذا كانوا مختلفين معهم في شيء منها فهي غير مطروحة للبحث . ولكنهم إختلفوا معهم في مسألة العدل . فقد كان الإعتقاد بالعدل أو عدمه يعتبر علامة على الإنتماء إلى مذهب معين ، أي اختلفوا في ذلك من حيث الوجود والعدم . ولقد قلنا بأن هناك صفتين متقاربتين من صفات الله من حيث الشبهات والإشكالات الواردة عليهما ، وهما العدالة والحكمة .

​والمقصود من كون الله عادلاً أنه لا يهمل إستحقاق ولياقة أي موجود ، فيعطي أي شخص ما يستحق .

​أما المقصود من كونه حكيماً فهو كون النظام الذي أبدعه هو أحسن وأصلح نظام ، وبهذا المعنى يتجلى قول النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ( بالعدل قامت السماوات والأرض ) . ويقول الخواجة نصير الدين الطوسي في بعض شعره الحكمي :

( لا يوجد حكم لائق غير حكم الحق ، ولن يأتي حكم يفضل الحكم الحق .

كل شيء موجود قد أوجد كما ينبغي ولم يوجد شيء لا ينبغي وجوده ) .

​ولازم الحكمة والعناية الإلهية هو أن يكون للكون والوجود معنىً وغاية ، فأي شيء يوجد إما أن يكون خيراً لنفسه وإما أن يكون وسيلة للوصول إلى الخير . فالحكمة من لوازم كونه عليماً ومريداً ، وتوضح أصل العلة الغائية للكون .

​أما العدالة فليس لها علاقة بصفتي العلم والإرادة ، ولكنها تكون من شؤون فاعلية الله ، أي أنها من صفات الفعل وليست من صفات الذات .

​وقال في شرح الباب الحادي عشر : المراد بالعدل هو تنزيه الباري ـ تعالى ـ عن فعل القبيح والإخلال بالواجب .

​وقد ورد عن أهل البيت الطاهر أحاديث توضح ما نحن فيه فمنها ما رواه في كتاب التوحيد قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن سعيد بن عزيز السمرقندي الفقيه بأرض بلخ قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد الزاهد السمرقندي ، بإسناده رفعه إلى الصادق ـ عليه السلام ـ ، انه سأله رجل فقال له : إن أساس الدين التوحيد والعدل ، وعلمه كثير ولا بد لعاقل منه ، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه ، فقال ـ عليه السلام ـ : أما التوحيد فألّا تجوز على ربّك ما جاز عليك ، وأما العدل فألّا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه .

​وفيه حدثنا محمد بن أحمد الشيباني المكتّب ـ رضي الله عنه ـ قال : حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي ، قال : حدثنا سهل بن زياد الادمي ، عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني ، عن الإمام علي بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه الرضا علي بن موسى ـ عليه السلام ـ قال خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق ـ عليه السلام ـ ، فاستقبله موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ فقال له : يا غلام ممن المعصية ؟ قال : لا تخلو من ثلاث : إما أن تكون من الله ـ عزّ وجلّ ـ ، وليست منه فلا ينبغي للكريم أن يعذب عبده بما لا يكتسبه وإما أن تكون من الله ـ عزّ وجلّ ـ ومن العبد ، وليس كذلك فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف ، وإما أن تكون من العبد وهي منه ، فإن عاقبه الله فبذنبه وإن عفا عنه فبكرمه وجوده .

مقالات مشابهة