الجن عيشهم وموتهم

 

الشيخ عباس الريس 



ثم استطرد رحمه الله في وصفهم ووصف حياتهم فقال: وإنهم يعيشون ويموتون ويبعثون كالإنسان. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾، وأن فيهم ذكوراً وإناثاً يتكاثرون بالتوالد والتناسل، وأن شعوراً وإرادة، وأنهم يقدرون على حركات سريعة وأعمال شاقة - كما في قصص سليمان «عليه السلام»، وتسخير الجن له، وقصة ملكة سبأ -.

​ثم إن هؤلاء مكلفون كالإنسان منهم مؤمنون ومنهم كفار، ومنهم صالحون وآخرون طالحون. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.

​وهذه تشير إلى قصة نفرٍ من الجن استمعوا القرآن فآمنوا به، وأقروا بأصول معارفه إلى غير ذلك من خصوصيات أحوالهم التي تشير إليها الآيات القرآنية.

​ويظهر من كلامه تعالى أن إبليس من الجن، وأن له ذرية وقبيلاً، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي﴾.

​وبعد ما تقدم نستطيع أن نقول: إن طوارق الجان تأتي من كفارهم فإنهم بحكم كونهم كفاراً يتجبرون على المؤمنين من الجن والإنس، ولما كانت لهم القدرة على التستر، ويأتون الإنسان من حيث لا يشعر، ويرونه من حيث لا يراهم سمي طارقاً، وهو الذي يأتي ليلاً فيطرق الباب بإزعاج - كما تقدم -، ووجه الشبه هو الغفلة في كل من الإنسان الذي لا يرى الجن، وأهل الدار في هدوئهم ونومهم ليلاً.

​أما السلامة من الزيادة والنقصان فهو أن يكون جسماً طبيعياً فإن التشبيه الخلقي ينفر الطباع، ويبعد الإنسان عن الإنسان إذا لم يكن مماثلاً له، وقد قالوا: بأن الشيء منجذب إلى شبهه. فالسلامة من التشويه زيادةً أو نقصاناً نعمة أخرى من الله للإنسان.

​وكم قد سمعنا عن كثيرٍ ممن ولدوا وهم بزيادةٍ أو نقصان، كزيادة رأس، أو زيادة يد، أو نقصان أصبع أو عينٍ ممسوحة، ولقد ذكروا بأن الدجال له عين واحدة والأخرى مطموسة والله أعلم.

​وقد ذكروا بأن الجاحظ كان دميماً مشوهاً. جاءت إليه امرأة وقالت إن لي إليك حاجة، فقال الجاحظ فما هي؟ فقالت: هلمَّ معي. يقول: فمشيت معها إلى أن وقفت بي على صايغ، وأشارت إليه، وقالت: (مثل هذا)، وأشارت إليَّ.

​يقول الجاحظ: فبقيت حائراً، ومضت المرأة إلى سبيلها، فقلت للصايغ بعد ذلك ماذا تريد هذه المرأة؟ فقال إنها جاءت وطلبت مني أن أصوغ لها خاتماً وعليه صورة جني، فقلت لها: أني لم أر الجني في حياتي حتى أصوره على الخاتم، فقالت: أنا آتيك بالجني، فجاءت بك إلي.

​فتأمل أن الصورة إذا كانت غير طبيعية للإنسان فإنها تكون مثاراً للسخرية، وذلك بأنهم قد ذكروا أن الجاحظ كان دميم الخلقة - كما تقدم -.

​وقد وضع الشارع لمثل هذه الطوارىء والعوارض التي تلم بالإنسان أحكاماً خاصة بها.


مقالات مشابهة