اختلاف الماهية

الشيخ عباس الريس 



فالماهية من حيث هي ليست إلا هي ، لا موجودة ولا لا موجودة ، ولا شيء آخر وهذا معنى قولهم : إن النقيضين يرتفعان عن مرتبة الماهية ، يريدون به أن شيئاً من النقيضين غير مأخوذ في الماهية ، وإن كانت في الواقع غير خالية عن أحدهما بالضرورة . فماهية الإنسان وهي الحيوان الناطق مثلاً ـ وإن كانت إما موجودة وإما معدومة، والوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان ـ لكن شيئاً من الوجود والعدم غير مأخوذ فيها . فالإنسان معنى ، ولكل من الوجود والعدم معنى آخر ، وكذا الصفات العارضة حتى عوارض الماهية . فلماهية الإنسان مثلاً معنى ، وللإمكان العارض لماهيته معنى آخر . وللأربعة مثلاً معنى ، وللزوجية العارضة لها معنى آخر . ومحصل القول أن الماهية يحمل عليها بالحمل الأولي نفسها ، ويسلب عنها بحسب هذا الحمل ما وراء ذلك .

​أما ماهية الله - تعالى - فهي مخالفة لسائر الماهيات لعين ذاتها المخصوصة ، خلافاً لأبي هاشم وأتباعه فإنه زعم أن الذوات كلها متساوية في الذاتية ومتخالفة بأحوال هي عليها .

​وقد استدل الشيخ ميثم البحراني على ذلك بوجهين :

​الأول : إن ماهيته - تعالى - نفس وجوده ، ولا شيء من ماهيات الممكنات كذلك ، فماهية الله تعالى غير مشاركة لشيء من ماهيات الممكنات في حقيقتها .

​الثاني : لو كانت ماهيته مساوية لشيء من ماهيات الممكنات لكان إختصاصها بما لأجله صار مؤثراً في وجود العالم إن كان لأمر فإما لذات أو للازمها ، فيلزم إتصاف سائر الماهيات بصفة الإلهية؛ لوجوب إشتراك متماثلي الذات في جميع مقتضياتها ضرورة، وأما لغيره فيكون واجب الوجود محتاجاً في تحقق صفات الإلهية إلى غير خارجي عنه ، فكان في صفاته ممكناً معلولاً للغير وهذا خلف . وإن لا لأمرٍ لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال .

​هذا بعض ما قالوه في الماهية المأخوذة من جواب ما هو ؟ وإذا تأملت هذا الكلام وجدت أن معناه أن الشيء لا يتميز إلا بصفاته سواءً كانت عارضة أو ذاتية لأنه لا يمكن معرفة معالم أي شيء إلا بها ولكن هل أن الصفات المأخوذة في الإعتبار أهي هذه الماهية نفسها ؟ أو شيء زائد عن الذات هذا ما اختلفوا فيه ومن ثم فرقوا بين ماهية الإنسان وبين ماهية الله - تبارك وتعالى - وذلك نظراً لأن صفاته - تعالى - عين ذاته وصفات الإنسان زائدة عن الذات .

​أما معرفة ماهية الإنسان فإنها تعرف من خلال الصفات والمكونات الإنسانية العضوية وغيرها ، فالإنسان حيوان ناطق بالجمل الأولى وهكذا نستطيع أن ندرك مميزاته في جميع الحالات إعتباراً بصفاته الظاهرة .

​اما ماهية الله - تعالى - فإنه لما كانت صفاته عين ذاته - سواءً كانت صفات ثبوتية أو سلبية - فكما قلنا أن الذات القدسية مصونة لا تمس لأنه لا يمكن للإنسان بهذا الحجم الصغير أن يصل إلى ما هو أعلى منه مرتبة ، وبهذا يظهر معنى قوله - عليه السلام - ( يا من لا يعلم ما هو إلا هو ) لأن الإنسان كما وقع له الخلاف في الصفات فبالأحرى أن يقع في الخلاف في الذات وبذلك يشتبه عليه الطريق بين الحق والباطل أللهم إلا ما يرد عن أئمة أهل البيت - عليهم السلام - في توضيح هذه الأمور فقد قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في إحدى خطب نهج البلاغة : ( ... الذي لا يدركه بعد الهم ، ولا يناله غوص الفتن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ونعت موجود ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح برحمته ، ووتد بالصخور ميدان أرضه . . ثم استطرد ـ عليه السلام ـ يقول : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ؛ لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة . فمن وصف الله - سبحانه - فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : ( فيم ؟ ) فقد ضمنه ، ومن قال : ( علام ؟ ) فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة ، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده .


مقالات مشابهة