مولد أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

الشيخ عباس الريس 


تُعد قصيدة "مولد أمير المؤمنين (عليه السلام)" نصاً شعرياً عمودياً رصيناً ينتمي إلى غرض المديح الديني والمناقبي. تنهض البنية الفنية للقصيدة على التقاليد الكلاسيكية للقصيدة العربية؛ إذ يستهلها الشاعر بمقدمة غزلية وجدانية طويلة يشكو فيها لواعج الهوى وألم الفراق، قبل أن ينتقل ببراعة عبر أسلوب "حُسن التخلص" وتوظيف تيمة الرحلة المتمثلة في مناجاة حادي القافلة للانتقال إلى الغرض الأساسي. ويتمركز النص في شطره الأكبر حول سرد المآثر العلوية، محتفياً بذكرى ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في جوف الكعبة المشرفة، ومُستحضراً منزلته الروحية العالية كربيب للنبي المصطفى ومناصر لرسالته، إلى جانب التغني ببطولاته العسكرية الفذة في المعارك الإسلامية الفاصلة كبدر وخيبر، والإشادة بسعة علمه ومكانته العقائدية، لتُشكل القصيدة بذلك لوحة أدبية متماسكة تمزج بين رقة الوجدان الشعري وجلال المديح والولاء الديني.


سقتني هواما كالنديم سقى خمرا فظل يعاني من مدامته سكرا

اصابت سويدا القلب مني بأشعب فظلت اعاني امرها العاصي النكرا

سلي القلب هل يفنى هواك بجوفه فقد كان في دقاته ينفث الجمرا

سلي كل ذي عقل يفكر في الهوى فحبك خمر أثمل اللب والفكرا

رنت لصريع الحب بالمدمع الذي ملامحه قد حاكت الفن والسحرا

قضيت ربيع العمر في ربعها الذي به طالما غنيت في الليلة القمرا

كستني اكاسيها من الحب بهجة ارى دونها الروض البهيج كسا طمرا

فقل لصريع العين هل للاسى رجا اذا ما أتى الآسي لديك يرى الضرا

جزاك الذي اعطى الجمال تفاوتا واعطاك فن السحر في عينك الحورا

كم القلب يشكو من جفاك متيما الا فاسمعي منه جريمتك النكرا

سلتني غداة البين فرق بيننا وشطت بنا أيدي الفدافد والصحرا

هو الحب كم عانى الحبيب بحره فيالك من حر يفوق اللظى حرا

اذا هو لا يحنو ولم يرع ذمة لدى كل ذي عشق ومن لم يطق صبرا

وما الحب الا نزعة داخلية وبالمرء يسري حيث طاب له المسرى

فما الموت الا دون سكرات موته وما السيف الا دون اسيافه جزرا

تعالي نغني يا فتاة الهوى معا لذكرى شذاها يملأ المنتدى عطرا

هي الدين والدنيا وفيها تجمعت فضائل لم يسطع اليها الورى حصرا

فيا راكبا ظهر الحجاز بشذقم يجوب الفلا طوعا ويستعذب المسرى

قد اتخذ النقع المثار طعامه وليس له ماءا سوى الآل في الصحرا

قفا واحبس المجدول ان جئت مكة وسل عن وليد المجد في الكعبة الغرا

لمن غردت ورق الحمام بدوحها وغنى ابتهاجا بلبل السعد بالبشرى

لمن عزفت قيثارة الدين لحنها فدوى صداها في العراق وفي مصرا

اضاءت له الدنيا وأبهر نورها عيونا رأت نور الهدى قبله شزرا

امظهر دين الله ان دماءنا قد اتخذت ذكراك منها لها مجرى

ليهنيك أن كنت الربيب لأحمد ليهنيك ان كنت المفضل والطهرا

ترادفت في المعنى مع الحق قائما فأوضحته سرا واوضحته جهرا

صفاتك نور قبل تكوين آدم يشع سناه واضحا يخجل البدرا

ومولى عظيم جل ادراك كنهه به كان دين الله قد حقق النصرا

فبوركت مولودا وبوركت والدا وبوركت في يوم به تملك الحشرا

ولدت لدين الله سيفا مهندا فلا لات بعد اليوم يبقى ولا نسرا

فيا مظهر الدين الحنيف ومن غدا يقاس على تدعيمه الكرب والضرا

امام به قد أظهر الله دينه وظاهره المكنون للغيب والسرا

امام هدى لا يقبل الله من أتى باعماله ما لم يكن حبه طغرا

امام اذا ما جئته في ملمة احال لك التعسير في توه يسرا

فسل عنه بدرا فهو شاهد ماجرى وسل احدا يرويك ما لم تحط خبرا

ومن ذا الذي قاد الخميس بخيبر وقد آب عدوا في هزيمته النكرا

ومن جبر الاسلام بعد انكساره ومن ذا الذي اردى بصارمه عمروا

وباسم ثغر في الكريهة ضاحك ومن حوله الابطال قد سدت الثغرا

مديحك في الذكر الحكيم مؤثل كفاك به عزا .. كفاك به فخرا

مديحك نور يستنار بهديه وذكرك رمز للعلا يشرح الصدرا

فيا سائلا عن قدره لست جاهلا بمن فمه لا ينطق اللغو والهجرا

فمن طالما قد قال والجمع حافل (سلوني) فإني بينكم أظهر السرا

لمن ردت الشمس المنيرة بعدما كسا الليل في ديجوره البحر والبرا

وليد به قد شرف الله بيته واثلج قلب المصطفى الخافق الضجرا

اتى رجب قم هنئ الدين في ثلاث ليال فيه قد اعقبت عشرا

لقد هلل الدين الحنيف بيومه غداة له كان المؤمل والذخرا

فمن مثله علما ومن مثله حجى ومن مثله قدرا ومن مثله ذكرا

فسل هل اتى فيمن أتت ولمن غدت وفيمن غدت آياتها تذكر الدهرا

رياض الحمى غني وميسي بذكره فإن رياض الخلد تاهت به بشرا

تعاليت فخرا كل فخر مؤثل ودوخت في ادراكك النظم والنثرا

عليك سلام الله ماهبت الصبا وما دامت الاطيار تستوطن الوكرا


مقالات مشابهة