فاطمة الكبرى بنت الحسين ووداعها
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قصيدة "فاطمة الكبرى بنت الحسين ووداعها" هي مرثية وجدانية عميقة تقف على أطلال ديار آل البيت في المدينة المنورة بعد خلوّها منهم، لتصوّر مشهداً من أشد المشاهد إيلاماً وعاطفة؛ وهو وداع الإمام الحسين (عليه السلام) لابنته فاطمة الكبرى (العليلة) التي أقعدها المرض عن مرافقة ركب أبيها. تجسد الأبيات حواراً دامعاً ومؤثراً بين البنت المفجوعة التي تتوسل اللحاق بركب أهلها رافضةً العيش وحيدة في لوعة الفراق، وبين الأب العطوف الذي يضمها لوداع أخير طالباً منها العودة إلى الديار في لحظة مشحونة بالحزن والشجن، مما يعكس البعد الإنساني والمأساوي العميق لرحلة عاشوراء منذ بداياتها.
دارَ الاحبةِ بالغميم سلامُ ذهبت ببهجةِ ربعكِ الايامُ
يا دارُ أين النازلون تحمّلوا بل اين حلّوا بعدها وأقاموا
رحل القطين فاصبحت ذا وحشةٍ ولكم بها قد رفّتِ الاعلامُ
تركوا فؤاد الصبّ بل رحلوا به الله كيف تبدّدُ الاحلامُ
ما في الديارِ سوى خيال أحبةٍ عطفت على قتلى وذاك حرامُ
استنطق الصخر الأصمّ وفي الحشا من بعد بُعدهم يشبّ ضِرامُ
ساءلتُها والقلبُ جاش بكامن والعينُ تبكي والدموع سجامُ
أين الأُلى عمروك في جنح الدجى والليل ساجٍ والانام نيامُ
أين الّذين بنو علاك واصبحت لهم على هام السماك خيامُ
أين الحسين ورهطه وبناته أين الاباةُ الغرُّ والحكامُ
فأجابت الدار التي ساءلتُها وكأنما الصمتُ الحزين كلامُ
رحلوا وما أبقوا سوى متحسّرٍ عيناه من وجدِ الفراق غمامُ
أمسى يصكّ الراحتين وجسمه عصفت به الاحزان والاسقامُ
وبجنبه الكبرى الحزينة فاطمٌ وبجنبها الاوجاع والآلامُ
خرجت وراء الظعن يوم خروجه من طيبةٍ وعليه حام حمامُ
ورأت أباها اذ يقود ركائباً وعلى الربى من وقعها أنغامُ
ضجّت رمال البيد حين حدا لها من راحتيه الرمحُ والصمصامُ
نادت به والقلب يخفقُ بالأسى ورأت وراء الظعن ثار قتامُ
قفْ لي قليلاً كي اراك بجانبي وتراني الاخوانُ والاعمامُ
وأرى النساء الثاكلات فبعدكم يا والدي نومي عليّ حرامُ
أيسوغُ لي الماءُ الزلال ومهجتي ما ان بقيتُ بها يجيش أوامُ
وتطيبُ لي بعد الاحبة عيشةٌ هيهات ذلك أو يطيبُ طعامُ
ماضرّكُم لو كنت بين نسائكم أأعيشُ في ذلِ الاسى وأضامُ
فبكى الحسين وضمّها في صدرهِ وفؤادُه قد شبّ فيه ضرامُ
أحنى عليها ثم قبّل ثغرها والدمعُ فاض كما يفيض ركامُ
الله ما حال النساء بمشهدٍ فيه الحسين فؤاده أقسامُ
أجهشنَ فيه بالبكاء ولم تزل عجباً تريك بفعلها الأيامُ
عودي بنيّةُ للديار ورددّي ذكري فذكري لوعةٌ وسقامُ
فتحشرجت زفراتُها في صدرها وبقلبها قد حامت الاوهامُ
أتعودُ يا أبتي لدارك سالماً هيهات يُرجى للحسين سلامُ
عادت ولكن في حشاها جمرةٌ فيها تذوب أضالع وعظامُ
لترى ديار المجد قفراً بلقعاً وتقول هل بعد الفراق مرامُ
٢ جمادى الاولى ١٤٠٧ هـ
