هكذا الدهر تأبين وفاة المرحوم الشيخ علي بن عبدالله بن الشيخ جعفر الستري المتوفى في النجف الأشرف
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تُشكّل قصيدة "هكذا الدهر" المؤرخة عام 1389هـ، نصاً شعرياً رثائياً (تأبينياً) رصيناً، نُظم في رثاء الشيخ علي بن عبدالله الستري إثر وفاته في النجف الأشرف. تستهل القصيدة بنيتها الموضوعية بمقدمة حِكمية تتأمل في غدر الزمان وتقلبات الدهر وحتمية الموت، جرياً على سنن الموروث الشعري الكلاسيكي. وسرعان ما ينتقل الشاعر من التجريد الفلسفي إلى التعبير الوجداني المباشر عن فداحة الخطب، مصوراً حالة الفقد والحزن العميق التي لفت "الغري" (النجف) ومسقط رأس الفقيد في "سترة" بالبحرين. وتتجلى في المقاطع الأخيرة النزعة الولائية والعقائدية؛ حيث يحمّل الشاعر الفقيدَ السلامَ للنبي وأهل بيته، شاكياً تدهور حال الأمة وتضييعها لرسالتها، لتُختتم القصيدة بوقفة حزينة ومناجاة على القبر، تتوج بتأريخ شعري بحساب الجُمّل لعام الوفاة، مما يجعل النص وثيقة أدبية تمزج ببراعة بين لوعة الرثاء الشخصي، والالتزام الديني، والوفاء الأخوي.
خليلي لا تأمنن الخؤونا ولا تتهم في الحياة الأمينا
فما ظن كل امرئ صائب فكم خالف العلم منه الظنونا
ولابد للشئ من فرصة بها يظهر الأمر حقا يقينا
(ولابد لليل أن ينجلي) ولابد للحق أن يستبينا
ولابد للظلم من صرعة ولابد للعنف من أن يلينا
فإن عاند الدهر في حكمة فسوف ترى الظلم منه فنونا
فدهرك مهما بدا باسما فحينا يسر ويحزن حينا
فإن النفاق له عادة فكم كان يبدو طليقا حزينا
فإن أضحك الدهر يوما خليلا فسوف يريه البكاء سنينا
اذا البحر يوما بدا ساكنا واغرى بذاك السكون السفينا
فسوف يهيج ويا هوله فكل سفين ستغدو طحينا
فكم غدرة للزمان الخؤون تفري القلوب، وتدمي العيونا
فبالامس طاف له طائف علينا، فأردى نبيلا رزينا
فجرعه من كؤوس الحتوف موتا زؤاما، وجاما منونا
وباتت عليه عيون الهدى تنوح، ودمع المعالي هتونا
تزلزل وادي الغري الذي بحيدرة الطهر ظل ركينا
طواه الحمام كطي السجل فأصبح بين بنيه رهينا
ومثلي بات له إخوة سكارى بما مسهم حائرينا
وفي (سترة) حيث عم المصاب ثكالى ويسعدها ثاكلونا
لأجل علي اقاموا البكاء وأرخص ما كان قبل ثمينا
فياراحلا عن ديار الشقاء لدار بها يسعد العاملونا
اذا جئت ربك وهو الغفور ورمت جنانا تميس فتونا
وحياك رضوان من بابها وقال سلاما وفتحا مبينا
وجاورت خير بني آدم وابناءه الغرر الطاهرينا
فبلغ سلامي للاكرمين فأكرم بهم سادة أكرمينا
وحدث بما مسنا من لغوب وأن يد الدهر تلعب فينا
فدينهم الحق وهو الذي به بشر الرسل الأولونا
أضاعته ابناؤه فاغتدوا يهيمون في مهمه ضائعينا
قفا بي على قبره ساعة لنبكي لرزء به قد دهينا
قفا بي ففي القلب نار تفور فتملأ بين ضلوعي حنينا
قفا بي فإن الدموع التي تصعد من مقلتي شؤونا
تذيب الجماد وتوري الزناد وتبعث من كل قلب انينا
فإن البكاء لأجل العظيم قليل، وان كان دمعي مصونا
وقل إن يومك يوم العروج أطل علينا فكان شجونا
سرور وحزن وشأن الزمان عجائب في كل يوم يرينا
فدع واحدا ثم أرخ (عليا طودا بأرض علي دفينا)
