الفجر الثاني

الشيح عباس الريس 


تُشكّل قصيدة "الفجر الثاني" نصاً شعرياً عمودياً رصيناً يندرج ضمن مسار الأدب العقائدي والرسالي، وتتخذ من عقيدة الانتظار المهدوي محوراً مركزياً لها. يستهل الشاعر نصه بتوظيف رمزي عميق لـ "الفجر الثاني" والبدر المكتمل كدلالة على الإمام المهدي عليه السلام الموعود الذي سيُبدد ظلمات الجور، مؤكداً على الالتزام الروحي بحب "آل البيت" كفريضة راسخة. وسرعان ما تنعطف القصيدة من أفق المناجاة الروحية والانتظار إلى مقاربة نقدية لاذعة لواقع الأمة المعاصر المأزوم؛ حيث يشن الشاعر هجوماً عنيفاً على مظاهر الفساد والانحلال الأخلاقي، والتبعية الفكرية للتيارات المادية المستوردة بشقيها الشيوعي والغربي التغريبي، مستنكراً بشدة دعوات التحرر الزائفة التي استهدفت المرأة والمجتمع لسلخهما عن هويتهما الإسلامية. لتغدو القصيدة في كليتها صرخة احتجاج ضد الانحطاط القيمي، ودعوة صريحة لاستنهاض الوعي واستعجال الخلاص الإلهي كسبيل أوحد لإقامة العدل وإصلاح اعوجاج الحياة.


اني عجبت وكل حر يعجب من بدر تم طالعا لا يغرب

طعنت أشعته دجى الليل الذي عم الوجود بظلمة هي غيهب

قد هل في فجر وتلكم عبرة اذ كيف يمسى الفجر وهو المغرب

ارأيت في وسط الشهور أهلة ظهرت بنور كامل يتلهب

والشمس تخجل أن تبث سناءها ولعلة تبيانها قد يصعب

فهناك خاتم آل بيت محمد من نوره أضحت ذكاءا تحجب

هو نور ربي في الوجود لأنه سر الوجود ونصره المترقب

​يا أيها الفجر الذي لسنائه أمست تغني الباكيات فتطرب

ذكراك تنطق كل شيء صامت والمرء ينطق بالجميل فيعرب

وتهز نفس الوالهين بحبكم فبحبكم زمر الورى تتقرب

لا غرو ان هامت قلوب أولي النهى وغدت لهجرك في لظى تتقلب

جرعت كؤوس الصبر بل ثملت بها دهرا ولا زالت تصب وتشرب

أهجرتنا هجر القريب وانما هجر الأحبة من قريب اصعب

فبحق يومك وهو يوم فضيلة من كل عام اذ تجيء وتذهب

الكل منتظر قدومك معلنا بشبا حسامك ثورة تتوثب

​يا حامي الاسلام وابن حماته ومعينه الصافي الذي لا ينضب

قد هام عقلي في هواك فكلما حاولت ايجازا أتيه فأطنب

والحب شيء لا يباح بسره خوف الوشاة به تشد وتلعب

الحب ذنب للجوارح كلها وبما جناه غدا يجازى المذنب

لكنما حب النبي وآله افشاؤه بين الأنام محبب

هو واجب عينا وكل موحد بمحبة الآل الكرام سيطلب

هو نعمة الباري الجليل لخلقه لكنهم رفضوا النعيم فخيبوا

ما كنت أدري الحب لولا المصطفى وبنيه في الدنيا ولا من أصحب

​يا أيها الأمل الذي من أجله هام الفؤاد بمهمه يتشعب

يا من له رقص اليراع فأصبحت وثباته بالطرس شوقا تطرب

طورا يميس بذكر شبل محمد ويحار ثانية بماذا يكتب ؟

يا أيها الشمس التي من نورها شمس الظهيرة نورها يتعجب

يا مرجع الدنيا لخطة سيرها من بعد ما أمست لها تتنكب

يا طالب الحق السليب بسيفه فالسيف أصدق خاطب اذ يخطب

يا رافعا علم الامان وانما خوفا من السيف، الامان مسبب

ادرك بقية دينكم فلقد مشى ركب البلى فيه ودبت عقرب

​ضجت بنا الدنيا فاصبح شرها نارا تسيل وحرها يتلهب

أي المآثم وهي جند كثيرة ماذا نحدث والحوادث ترعب

في فوهة البركان عشنا والذي يبقى بفوهته رمادا يذهب

أأقول لم نعلم بواقع أمرنا أم هان عندك اذ نعج ونندب

حب الحسين صبابة أفهل ترى تبقى الصبابة والإناء مثقب

ونعود نندب حظنا من دهرنا طورا نصارعه وطورا نتعب

نستصرخ البشر الذي من فعله ضاعت مقاييس وعطل مذهب

فأقم بسيفك كل عوج مائل فالميل يعدله الحسام الأشطب

واصدع بقولتك الصريحة في الورى فبمثل قولتك الموائل تنصب

دقت طبول للفساد ولم نخل من بعد فجر الدين يوما تضرب

اني رأيت البحر عند سكونه يغري فيهدأ في السكون المركب

لكنه يقسو فيترك من على صفحاته للقاع رغما يرسب

​قم فالشريعة ترتجيك مبادرا اتراك من بعد الرجاء تخيب

قم فالشباب هوى بأحضان الهوى وغدا يدير الطرف وهو مذبذب

طورا شيوعيا يعربد قائلا هذا التقدم يا رفاق تأهبوا

ويريك من طيف الخيال جنانه لكنها عند التيقظ تذهب

ويصوغ من جمل السلام عباقرا وبنانه بدم الكرام مخضب

حرية وتطور وتقدم وجميعها شرك لصيد ينصب

يدعو فئات الكادحين تضامنا فلقد حرمتم كل شي فاغضبوا

وتراه أخرى اذ يعود مهرولا للغرب ان الغرب فيه المأرب

فيه الحياة تعج بالجنس الذي ان ساور الاخلاق لا تتهذب

فيقوم ينعق كالغراب مصفقا قومية وقد اعتراه تعجب

ويعود يصفق راحتيه بحيرة وتراه في حسراته يتقلب

المرء يخدع بالمنى في عقله والعقل في يقظاته لا يغلب

​عجل فدنيانا تنوء بحملها (أو لا فأرشدنا الى من نذهب)؟!

يا مظهر العجب العجاب بسيفه ان انتظارك يابن طه أعجب

ها نحن في يم الخمور سفينا غرقت بموج في الجوانب يضرب

ضربت سرادقها وقالت انني في كل بيت في الفؤاد سأسكب

واشاعت الفوضى وجاءت منكرا لكن انكار الرذيلة يصعب

ورمت بأحضان الفتاة عشيقها رحماك يا رباه اين المهرب !!

ومشى شباب المسلمين تمايلا وقد اعتراه تميع وتسيب

يعطي الكثير ويزدريه لأنه في جهله سفها يخوض ويلعب

ويبيع دينا لا يباع وإنما هي أنفس في دينها لا ترغب

أغضبت يا أرض السماء بمنظر يرتد عنه الطرف وهو مصوب

​يا أيها البلد الذي من حظه جمع لكل رذيلة وتحزب

اني ذكرت ولست انسى انه عام النساء به تلح وتطلب

لعبت بها ذمم الرجال فاصبحت بعقولهم من بعد ذلك تلعب

طلبت حقوقا لم تكن من حقها حتى أضيع الندب والمستوجب

شيء غريب أن تباع وتشترى فاعجب بها تبتز منه وتسلب

حتى تعرت من عفاف طاهر وغدت باحضان الهوى تتقلب

فأضاعت الشرف الرفيع بفعلها لما انجلى ستر وبان منقب

ان كنت لا تدري فسلها مرة عن سيرها في السوق ماذا يجلب

ان قلت: جرم قيل عنه: تطور او قلت: قبح قيل عنه: تهذب

فاثأر معي أيضا لنيل حقوقنا نحن الرجال فقد تضيع وتذهب

فأنا أطالبها بحقي مثلما كانت تطالبني ولكن أنسب!

مقالات مشابهة