روح الجنان في تشطير قصيدة الفوز والامان في مدح صاحب الزمان (عليه السلام) للشيخ البهائي (رحمه الله)

السيخ عباس الريس 

تُشكّل قصيدة "روح الجنان في تشطير قصيدة الفوز والأمان" تجربةً أدبيةً رصينةً تندرج ضمن فن "التشطير" البديعي، حيث يعمد الشاعر إلى التفاعل التناصي والبنائي المباشر مع القصيدة الأصلية للشيخ البهائي المُكرّسة لمدح الإمام المهدي (عجل الله فرجه). يستهل النص معماره الفني بالوقوف على الأطلال والمقدمات الوجدانية التي تبث لواعج الشوق، متدرجاً نحو الشكوى من صروف الدهر ومكابدات الزمان، ليُبرز من خلالها كبرياء الذات وصمودها الأبيّ أمام المحن. وسرعان ما يتخلص الشاعر ببراعة من هذا التمهيد لينتقل إلى غرضه المركزي المتمثل في المديح العقائدي؛ إذ يستعرض المناقب الروحية، والعلمية، والقيادية للإمام المنتظر، معتبراً إياه العروة الوثقى، والملاذ الكوني، والمنقذ الموعود الذي سيقهر الجور بسيفه ويقيم دولة العدل الإلهي، لتغدو القصيدة بذلك عملاً إبداعياً يزاوج بمهارة عالية بين متانة السبك الكلاسيكي، وحرارة الوجدان، وعمق الولاء والانتظار الرسالي.


سرى البرق من نجد فجدد تذكاري وأعشى فؤادي قبل عيني بأنوار

وطاف بقلبي طائف لي مذكرا عهودا بحزوى والعذيب وذي قار

وهيج من اشواقنا كل كامن دفين وما بالشوق للصب من عار

واذرف دمعا قد ضننا بمثله وأجج في احشائنا لأهب النار

الا يا لييلات الغوير وحاجر وآنات انس بين غيد وسمار

ويا لسويعات قضيت برامة سقيت بهام من بني المزن مدرار

ويا جيرة بالمأزمين خيامهم تشع بانوار وتزهو بأقمار

ويا معشرا بالأبرقين عهدتهم عليكم سلام الله من نازح الدار

خليلي مالي والزمان كأنما جنيت عليه فهو يطلب للثار

الين فيقسو ثم يقسو ولم يزل يطالبني في كل آن بأوتار

فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي وشتت ألافي وغيب انصاري

وغربني عن جيرتي وعشيرتي وابدلني من كل صفو بأكدار

وعادل بي من كان أقصى مرامه سماع أحاديثي وتصديق أخباري

وغاية ما يرجوه ان جد جده من المجد ان يسمو الى عشر معشاري

الم يدر اني لا أذل لخطبه لاني فتى حر سليل لاحرار

فلا والعلا لا يخفر الدهر جانبي وان سامني بخسا وارخص تسعاري

مقامي بفرق الفرقدين فما الذي يخيف جناني في ورود واصدار

انا ابن جلا والدهر يعرفني فما يؤثره مسعاه في خفض مقداري

واني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي لاني على البلوى صبور باصرار

ولا تدرك الاحلام كنه طبائعي ولا تصل الايدي الى سبر اغواري

أخالط أبناء الزمان بمقتضى طبائعهم والمرء في طبعه جاري

أداري بنيه والحشا مشفق على عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري

وأظهر أني مثلهم تستفزني حوادث دهر مرسل النفس غدار

وتقلقني والنفس تشكو مضاضة صروف الليالي باحتلاء وامرار

وإني ضاوي القلب مستوفز النهى ولكنني لا أرتضي قول مهذار

ويفرح قلبي ثم يحزن تارة أسر بيسر أو أساء باعسار

ويضجرني الخطب المهول لقاؤه ولكن مهول الخطب كالطائف الساري

ويؤنسني ذكر الصبا وجنونه ويطربني الشادي بعود ومزمار

ويصحي فؤادي ناهد الثدي كاعب بوجه له لون كلمعة دينار

يذيب الحشى ريم الفلا كلما بدا بأسمر خطار وأحور سحار

واني سخي بالدموع لوقفة أوبن فيها كل دار وديار

ترى مقلتي تهمي دموعا غزيرة على طلل بال ودارس آثار

وما علموا اني امرؤ لا يروعني من الدهر خطب ما ألم بأخطار

فهيهات مثلي ذو حجى ان يهده توالي الرزايا في عشي وإبكار

اذا دك طود الصبر من وقع حادث وكم حادث أوهى قوى كل صبار

فإني وربي لا أنوء بحمله فطود اصطباري شامخ غير منهار

وخطب يزيل الروع أيسر وقعه ويترك ذا العينين من دون إبصار

وذي شجن معصوصب ومبرح كؤود كوخز بالأسنة سغار

تلقيته والحتف دون لقائه وما كل من يلقى الحتوف بمختار

اصارع ذاك الخطب حيث يكيدني بقلب وقور بالهزاهز صبار

ووجه طليق لا يمل لقاؤه اساريره تبدي كوامن أسرار

وجأش كحد الهندواني مرهف وصدر رحيب في ورود واصدار

ولم أبده كي لا يساء لوقعه أخو ثقة ارجوه في دفع أخطار

أحاذر أن يبدو فيصبح حائرا صديقي ويأسي من تسعره جاري

ومعضلة دهماء لا يهتدي لها دليل يحك النجم ليلا بمنظار

وليس لها في الدهر يعرف واضحا طريق ولايهدي الى ضوئها الساري

تشيب النواصي دون حل رموزها ويرجع عنها العقل رجعة محتار

ويرتد عنها الطرف ردة خاسئ ويحجم عن اغوارها كل مغوار

اجلت جياد الفكر في حلباتها وكم للفتى إن جد جولة أفكار

تأملتها يوما بثاقب فكرة ووجهت تلقاها صوائب انظاري

فابرزت من مستورها كل غامض وكم غامض منها تغشى بأستار

واظهرت مما تحتوي كل مضمر وثقفت منها كل أصور موار

أأضرع للبلوى واغضي على القذى واخفي الشجا والقلب ينضج بالنار

وأحمل ضيما ينهك الجسم والحشا وأرضى بما يرضى به كل خوار

وأفرح من دهري بلذة ساعة وهل أنني يا صاح أرضى بأسار

وهل همتي ترضى بفضلة آكل واقنع من عيشي بقرص وأطمار

اذن لا ورى زندي ولا عز جانبي ولا نلت من عليا الرياسة اوطاري

ولا طلعت شمس لمجدي مضيئة ولا بزغت في قمة المجد أقماري

ولا بل كفي بالسماح ولا سرت بأصداء ذكري مدلجات بأسحار

ولا انتعشت ام العلا وترنمت بطيب احاديثي الركاب وأخباري

ولا انتشرت في الخافقين فضائلي كعرف الشذا اذ فاح ما بين ازهار

ولا كنت ممن يرتدي حب حيدر ولا كان في المهدي رائق أشعاري

خليفة رب العالمين وظله ووارث آل المصطفى حجة الباري

وبرهان حق للانام وحجة على ساكني الغبراء من كل ديار

هو العروة الوثقى الذي من بذيله تعلق أمسى في أمان من النار

هو ابن رسول الله من بولائه تمسك لا يخشى عظائم اوزار

امام هدى لاذ الزمان بظله وطالب اوتار بسيف وخطار

به ابيضت الايام بعد سوادها والقى اليه الدهر مقود خوار

ومقتدر لو كلف الصم نطقها مركبها والبحث في أي مقدار

وكلفها رد الجواب مشيرة باجذارها فاهت اليه بأجذار

علوم الورى في جنب أبحر علمه كطل تراءى قبل وابل أمطار

هو البحر علما والانام علومها كغرفة كف أو كغمسة منقار

فلو زار افلاطون اعتاب قدسه ولا غرو أن قد جاء في ضمن زوار

وحط بدار بابها باب حطة ولم يعشه منها سواطع أنوار

رأى حكمة قدسية لا يشوبها كلام حكيم معجب النفس ثرثار

وعيبة علم لا يعكر صفوها شوائب انظار وأدناس أفكار

بإشراقها كل العوالم اشرقت بأنوار عرفان وليس بذي نار

وومض يلف الارض شرقا ومغربا لما لاح في الكونين من نورها الساري

امام الورى طود النهى منبع الهدى ورب الحجى ، لكنه نسل أطهار

وبحر ندى لا يدرك المرء قعره وصاحب سر الله في هذه الدار

به العالم السفلى يسمو ويعتلي ولولاه لم يسم ويعل بمقدار

فاصبح في تيه به ، بل به غوى على العالم العلوي من غير إنكار

ومنه العقول العشر تبغي كمالها وهل علمها فيه سوى عشر معشار

فلا غرو أن القت عصاها ببابه وليس عليها في التعلم من عار

همام لو السبع الطباق تطابقت وذلك أمر مستحيل بأقدار

ولو أن ما في الكون أطبق جاهدا على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري

لنكس من ابراجها كل شامخ وهد علاها بعد طوع واجبار

وحرك مما تحتوي كل ساكن وسكن من افلاكها كل دوار

ولا انتثرت منها الثوابت خيفة لامر مليك أمره أمر قهار

وأمسى ضياء الراقصات معتما وعاف السرى في سورها كل سيار

ايا حجة الله الذي ليس جاريا قضاء ولا أمر بما لا يرى جاري

ولا يتعدى أمره ومراده بغير الذي يرضاه سابق أقدار

ويا من مقاليد الزمان بكفه ولا كف موسى اذ تشع بأنوار

ويا من يدير الكون شرقا ومغربا وناهيك من مجد به خصه الباري

أغث حوزة الاسلام واعمر ربوعه وحكم كتاب الله لا حكم أغيار

وجدد به أحكام دين محمد فلم يبق منها غير دارس آثار

وانقذ كتاب الله من يد عصبة قد انقلبت بعد الرسول لأدبار

وحادوا عن الحق الصراح وطالما عصوا وتمادوا في عتو وإصرار

يحيدون عن آياته لرواية مزورة جاشت بأعظم أوزار

يردون آيات الكتاب لفرية رواها ابو شعيبون عن كعب أحبار

وفي الدين قد قاموا وعاثوا وخبطوا وكم ظاهر غطى عيونا بأستار

فهاموا ومازالوا يهيمون في الهوى بآرائهم تخبيط عشواء معشار

وأنعش قلوبا في انتظارك قرحت وبالصبر ذابت كالرصاص على النار

وافئدة حرى على الضيم لوحت واضجرها الأعداء أية اضجار

وخلص عباد الله من كل غاشم فأنت المرجى منذ آدم للثار

وأبدل بأمن خوف كل موحد وطهر بلاد الله من كل كفار

وعجل فداك العالمون بأسرهم بجيش كبحر يغرق الارض جرار

وجرد حساما كان جدك خدنه وبادر على اسم الله من غير إنظار

تجد من جنود الله خير كتائب وفيها المنايا كالطيور بأوكار

وأفضل أقوام سموا في الورى علا واكرم أعوان وأشرف أنصار

بهم من بني همدان أخلص فتية وكوكبة من آل أحمد أخيار

تراهم اذا الحرب العوان تأزمت يخوضون أغمار الوغى غير فكار

بكل شديد البأس عبل شمردل لدى الروع يسطو دون سابق انذار

يقبل بيض الهند تقبيل عاشق الى الحتف مقدام على الهول مصبار

تحاذره الابطال في كل موقف مروع كليث حل ما بين أنمار

وتخشاه اما شد فيها بجرأة وترهبه الفرسان في كل مضمار

 

مقالات مشابهة