الى متى يابن طه
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تُشكّل قصيدة "إلى متى يابن طه" المؤرخة في 9 شعبان 1393هـ، نصاً شعرياً عمودياً رصيناً يندرج ضمن مسار الأدب العقائدي والرسالي الملتزم. تتمحور البنية الدلالية للقصيدة حول عقيدة الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه ؛ حيث يستهل الشاعر نصه بفيض من التجليات النورانية والتناصات القرآنية للاحتفاء بذكرى ولادته، مُرسّخاً فلسفة "الغيبة" وحتمية الظهور لإقامة العدل المطلق ووراثة الأرض. وفي انتقال موضوعي يعكس الواقع الحركي والاجتماعي للشاعر، تتخذ القصيدة من هذا الأفق الغيبي والموعود منطلقاً لجلد الواقع المعاصر المأزوم، موجِّهةً نقداً لاذعاً لمظاهر التغريب، والانحلال الأخلاقي، وتفشي الفساد، والتيارات الفكرية المادية الوافدة (كإشارته لاتباع لينين). وتُختتم الأبيات بمناجاة وجدانية حارّة تستنهض الإمام الموعود للتعجيل بمسيرة الخلاص، لتكتمل معالم النص كرسالة أدبية إصلاحية تمزج ببراعة بين عمق الرجاء الديني والرفض القاطع لواقع الانحطاط الحضاري والقيمي.
أطورُ سيناء منها النور قد لمعا وذاك موسى كليم الله قد وقعا
ام بدرُ تمّ تجلّى وانمحت ظلمٌ والبدر لولا سواد الليل ما طلَعا
أم شمسُ أفقِ العلا والشمس في وضحٍ سناؤها في رحاب الكون قد سطعا
أذاك نورُ الهِ العالمين لدى عين الكليم بدا مرأىً ومستمعا
ام نور طه وقد لاحت بوارقه فقد تبدّد ذاك الليل وانقشعا
بل نقمة الله تمضى وهي ماضية فالنصح لولا وجود السيف ما نفعا
لا يعرف الضد الّا في مقارنةٍ لضده في مكان يُجْمَعان معا
والصبح لولا وجود الليل ما سطعت انواره وله ورق الحمى سجعا
أذلك البدرُ ام شمس النهار بدتْ ام ذاك نوراهما شوقاً قد اجتمعا
فالبدر في الصبح لم نسمع بطلعته او كان يبدو بديل الشمس ما سُمِعا
بل ذاك ضوء امام وهو منتظرٌ فنوره قد علا الاكوان اذ وضعا
قد لاح فجرٌ ولكن للشموس علاً لكنه فجر طفل بالهدى رُضِعا
قد كبّر الملأ الاعلى لطلعته والكون أرحب باع الشوق واتّسعا
ذاك ابن حيدر لا نسلُ بن آكلة الـ أكباد من كان فيه الشرك مجتمعا
ذاك ابن فاطم لا هندٌ تُعرفه فالنسل مالم يكن طهراً فقد قُطِعا
من حجبتهُ عن الانظار معجزةٌ ومن تفكّر في هذا فقد بدعا
لا يُفقد البدر الّا عند غيبته لأنه كلما جنّ الدجى نصعا
ياليلةً لم تزل في الدهر باقيةً حيّاكِ غيث السحاب المزن ما همعا
ففيكِ قد ولد المهدي وانجدعت آناف أهل الشقا يا بئس ما جُدِعا
بل فيكِ نور تجلّى للعيون فلا شمس ولا قمر إلّا له خشعـا
وخيّب الله آمال الأُلى غدروا ومن على قلبه الشيطان قد طبعا
فإن تجد غيبة طالت غياهبها وأصبحت للورى مضغاً ومبتلَعا
واستبعدتها اولو الاهواء قائلة ما أكّد المصطفى هيهات أن يقعا
وانكرته لطول العهد طائفةٌ قد طاف ما بينها حادي الهوى وسعى
فسوف يجمع شمل الدين صارمُه من بعد ما قطعت اوصاله قطعا
فالليل في غابه نخشى غوائله ويُحذَر البطش من قردٍ وان هجعا
يحيي تراث رسول الله من جدثٍ ويطلب الثار من اعدائه جمعا
ويملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً وفاضت منهم بدعا
ويردع الناس بالصمصام منصلتاً فالمرء ليس بغير السيف مرتَدعا
والعبد ان لم يكن في أمر سيدِهِ فحقه السوط ان يهوي ويرتفعا
(لا تشترى العبد الّا والعصا معه) فانه لم يطع الّا اذا قرعا
لا يعذر المرء بعد النصح مكتملاً ولا يقال له من بعد ذاك لعا
يا صولةً يرتجيها الحق غاضبةً تهز كل فؤاد بالحشا جزعا
تعلو بها كلماتُ الله ناصعةً وقد يباح من الاشياء ما منعا
لقد سئمنا حياة الظلم جافيةً فكم تعاني الورى من دهرها الهلعا
قد مزقتنا يد الأيام ظالمة والشمل أصبح تبديداً بها شِيَعا
والخير أصبح مقصوراً على نفرٍ لكنّما الشر من ست الجهات وعى
واستلأم الناس من بدوٍ ومن حضر والعقل في سنة الآثام قد هجعا
لا يسلم المرء من كيد الهوى أبداً والقلب هامَ مع اللذات وانخدعا
قف عند تلك القصور الشم باسقةً نحو السماء تضاهي الشهب مرتفعا
عند الفنادق وانظر كل غانية تذيب كل خليع مايعٍ ولعَا
تريك معنى الهوى فنّاً بطلعتها فقبّح الله منها الوجه اذ طلعا
بجنبها كأس خمرٍ وهي والِهةٌ فليته للردى والخمر قد جمعا
فعلٌ يشين بني الانسان قاطبة والمرء يكفر بالرحمن ان شبعا
وتهدم الخلُق السامي بوائقهُ بل كل ذي شرف فرداً ومجتمعا
هل يعمر الوطن الغالي بما رسمت اتباع لينين كي يمشي له تبعا
ام بالحواسر في الاسواق مائلة تهتز مثل جذوع النخل اذ جُدعا
الزرع هذا فقل لي كيف نحصده فالمرء يحصد في الأيام ما زرعا
آن الأوانُ فما يومٌ يمرّ بنا الّا وجرّعنا من شرّهِ جُرعا
فاربأ بنفسك عن لهوٍ وعن لعبٍ فلاهب الشر في الدنيا قد اندلعا
والصبرُ في الضيمِ للانسان منقصةٌ قد جرّبوه فما اجدى وما نفعا
ما غير لمع حدود البيض مشرعةً فالسيف اصدق افعالاً اذا لمعا
جدّد تراثك فالتاريخ يعرف ما أهداه دينك للدنيا وما صنعا
فالناس تعرف ماضينا وحاضرنا ورب ماضٍ من الايام قد رجعا
(وإنّما الأممُ الاخلاق مابقيت) والدين بالخلق المحمود قد شُفعا
الى متى يابن طه والحشا ضرم فدتك نفسي ونفس العالمين معا
فنفس كل أبيّ لم تزل غرضاً للنائبات تعانى السقم والوجعا
فاستنقذ الناس من دهياء معضلة ممزوجة بالرزايا قبل ان تقعا
فالوضع في خطر والشر في شرهِ والنفس لا تحذر البلوى فتمتنعا
والدين يسأل عن ملجأ وليس له غير السؤال وما أهداه أن قبعا
والكل يهرع خلف المغريات وهل يُرجى فتى كمهاوى النفس قد هُرعا
لقد ألفنا حياة العار طافحةً آثامها ونسينا الزهد والورعا
الله كيف نسينا كل مكرمة لما نسينا من الاسلام ما شرعا
هيهات هيهات والاسلام رائدنا أن نبتغي حولاً عنه ومنتجعا
لابد من طعنةٍ نجلاء نوقعها بكل مستهتر الّا اذا ضرعا
من قارع الاسد لا يخشى قوارعها او صدع الغاب لا يخشى ان انصدعا
لا تهدم المجد عمداً ثم تطلبه ما هكذا فعل فذّ للحياة وعى
وغاية المرء في الدنيا بلوغ منىً لكنه كيف يرجو ماله قطعا
والدهر في الناس لا تحصى فجائعه والمرء يرجع للرحمن ما فجعا
وانّ عادته في كل آونةٍ يريك من عجب الأهوال ما اصطنعا
كم لمّ فيما مضى شملاً غدا شعباً ومزّقّت يده شملاً قد اجتمعا
(للمؤمنين من الدنيا عواقبها) مهما تكتّل فيها الظلم أو طمعا
هذا نداءٌ لمن يرجو لمبدئه سيادة الكون طراً أينَ من سمعا؟
