تقريض الشيخ أحمد الشيخ خلف العصفور رحمه الله لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة

الشيخ أحمد خلف  العصفور 



 يُعد هذا النص تقريظاً بليغاً كتبه سماحة العلامة الشيخ أحمد خلف العصفور لكتابٍ أَلَّفه الشيخ عباس الريس في شرح دعاء للإمام الحسين (عليه السلام)، حيث يُشيد فيه بصدق نوايا المؤلف وولائه الخالص لأهل البيت عليهم السلام ، مُميزاً إياه عن الكُتّاب الساعين خلف المنافع المادية أو الشهرة الدنيوية. كما يُسلط التقريظ الضوء على الأثر الروحي العميق لأدعية المعصومين وقدرتها العجيبة على هداية القلوب وتحويل النفوس بمختلف لغاتها ومذاهبها نحو الإيمان المطلق، ليُختتم بدعوة صادقة للقراء لاغتنام فرصة التزود من هذا العطاء المعرفي والروحي العظيم والتقرب إلى الله ببركة هذه الأدعية.


تقريظ

​هذه كلمة تفضل بها سماحة العلامة

الشيخ أحمد الشيخ خلف العصفور

دامت بركاته .

بسمه تعالى

​في كل يوم ، بل في كل لحظة تخرج لنا المطابع على يد الكُتّاب تأليف متنوعة ، كل كتاب منها يعطينا لوناً من ألوان العلم ، وكل مؤلف يقضي وقتاً فيما يختاره من العطاء المتنوع ، ويقدم ذلك الجهد إلى إخوانه في الدين . وهنا يظهر الفرق ، فبعضهم يكتب لله وللناس معاً ، وبعضهم يكتب للناس وحدهم . وهؤلاء الذين يكتبون للناس يختلفون أيضاً ، فمنهم من يكتب للنفع المادي ، مع قطع النظر عن الأخلاقيات والدين ، وفيهم من يكتب ( ليقال : من ذا قالها ؟ )(١) ، وهذا الصنف من الناس كثير جداً ، ولكن .. من الذي يستطيع التقييم ، ومن الذي يضع المقاييس ومن الذي يزن الأمور بميزان العدل ومن الذي يشير إلى الشخصية إشارة القبول ، ويطبعها بطابع الرضا ؟ فتصبح في المرتبة المقبولة ؟ وتدخل حظيرة التأييد والتأييد بروح القدس التي قالها رسول الإنسانية محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبعض الناس الذين كانوا من حوله ـ وقد اشترط من وراء ذلك شرطاً ـ بقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا تزال مؤيداً بروح القدس ما دمت ناصرنا بلسانك ـ كما قالها لحسان بن ثابت ـ الشاعر المخضرم في يوم الغدير المشهور .

​ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) أشار بذلك إلى قول الشاعر أعشى ميمون :

وفريدة تأتي الملوك عجيبة قد قلتها ليقال من ذا قالها ؟

​هذا ما أريد أن أقوله في تصنيف الكُتّاب ، والشعراء والباحثين ، والعلماء ، والمؤلفين .

​وصاحب هذا الكتاب الذي بين يديك ، أعتقد جازماً أنه من أولئك المقبولين ، لما يحمله من ولاء خالص لأهل البيت الطاهر ، حيث أن ما ينشده من شعر ، أو يكتبه من كتابة ، أو يمليه من درس ، أو يلقيه من كلام يظهر عليه طابع القبول ، من حيث أنه لا يتعدى السير على سنتهم . وإني أحس بهذا الإحساس من مطاوى كلامه ، ومن بعض البشائر التي حدثني بها ، والتي لها تمام الصلة بأهل الحق ، ومعونتهم له في بعض الأزمات التي لا يصرفها عنه إلا أهل الحل والقصد ممن لهم القدرة على الإتيان بالمعجزات ـ كما حصلت لبعض المؤلفين من إخواني المخلصين ، كصاحب الغدير الشيخ عبد الحسين الأميني وغيره .

​ومن المواهب التي حصل عليها العباس الحسيني الدرازي فضيلة العلامة الشيخ عباس ، هو أنه أول من شرح هذا الدعاء ـ كما أعلم ـ ولو أنه يقال : أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، إلا أني لم أعثر على شارح شرح صدورنا بكلام ربيب الوحي الذي قال عنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( حسين مني ، وأنا من حسين ) .

​وكلمة أنا من حسين تعني ما أعطاه الإمام لهذه الأمة في كل ميدان من ميادين العطاء المثمر . حيث أن السيطرة لا تأتي إلا من طريق القوة ، والبصيرة ، والعلم .

​وهذه الثلاث هي مجموعة الفضائل . والقوة التي قام بها الإمام الحسين ( عليه السلام ) . لم تكن توصف من حيث الكم ، بل هي نابعة من إيمان العصمة التي هي مصدر كل خير لهذه الأمة ، وقد أشرق نورها فدخل بيوت الفرس والترك والديلم ، والملل الأخرى .

​فإذا قرأ الدعاء شخص من الناس مهما كانت لغته ، أو جنسه ، أو مذهبه ، أو طريقته تراه يتحول تحولاً سريعاً إلى الله سبحانه بمجرد سماعه إلى ذلك البيان الذي يحوي العلم والقوة والبصيرة ، ولا يستطيع شخص أن ينكر ذلك إذا تلا دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) يوم عرفة ، وهذا مصداق قول المعصومين ( عليهم السلام ) : ( وجعل أفئدة من الناس تهوى إليكم ... ) ولم يقل أفئدة من المسلمين تهوى إليكم .

​وقد قال لي شخص : أن أحد المفكرين من أتباع السيد المسيح من إخواننا العرب في بيروت يقول : إني أسلمت بواسطة سماعي لدعاء الإمام علي بن أبي طالب المعروف بدعاء الصباح ، والذي أوله ( يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه ... ) الخ . وهذا هو النور حقاً ، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾(١) . صدق الله العلي العظيم .

​وبما أن كلام المعصوم من أهل البيت نور من أنوار الرسالة المشرقة ، استعمله إمام من أئمة أهل البيت ، وعرفت صحيفته باسمه ( بالسجادية ) وكلها دعاء ، ولكل دعاء لون خاص ينقلك من أجواء الظلام إلى نور البصيرة ، ومن هموم الدنيا إلى فضاء الآخرة ، ومن مرحلة اليأس إلى ساحات الرجاء ، ومن مرض الخطايا إلى روحانية الإيمان ، والوثوق . فإذا دخل الفرد أجواء الإيمان بانت له أعلام الصادقين التي قال الله عنها سبحانه : ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾(٢) .

​ولذلك أصبح الدعاء أفضل من التلاوة ؛ لأن تلاوة القرآن قلّ أن ينصهر بها الناس كل الناس من حيث أنها فوق كلام المخلوق ، والدعاء يقرب لك البعيد .

​ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة النور / الآية : ٤٠ .

(٢) سورة التوبة / الآية : ١١٩ .

​فاغتنم الفرصة ، يا من لا تفوته الفرص التي لا تعوض ، وأسأل الله أن ينفعنا جميعاً بهذا العطاء العظيم ، ويفتح لنا باب الرضا إذا طرقناه بمطرقة الدعاء .

​والسلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته .

​بتاريخ : ٤ جمادي الثانية ١٤٠٨ هـ

أخوكم : أحمد خلف العصفور

جامع الجمعة في عالي ـ البحرين



مقالات مشابهة