تقريض الشيخ سليمان المدني لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة

 

الشيخ سليمان المدني 

في هذه المقدمة، يُعرّف الشيخ المدني الدعاء بأنه "لُب العبادة" والصلة الأساسية بين المخلوق والخالق. ويؤكد على أن الدعاء وسيلة مشروعة جعلها الله لتحقيق المطالب، ليس من باب جهل الله بحاجة عبده، بل لربط العبد بربه وحثه على العمل. ويُقسم الدعاء إلى ثلاثة أقسام: بالجنان (النية القلبية)، واللسان (القول)، والأركان (السعي والحركة)، مشدداً على أن الدعاء المستجاب يتطلب اجتماع هذه الأقسام الثلاثة. ويُحذّر من اختراع أدعية جديدة غير مأثورة، داعياً إلى التمسك بالأدعية الواردة عن النبي والأئمة لجزالتها ومضامينها العميقة، ضارباً المثل بـ"دعاء الإمام الحسين في عرفة". ويختتم التقريظ بالإشادة بعمل الشيخ عباس الريس في شرح هذا الدعاء الجليل.


تقريظ

كلمة أخرى تفضل بها سماحة العلامة الشيخ سليمان المدني دامت إفاضاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدعاء في الإسلام

​قال الله «سبحانه» في كتابه العزيز: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). وقال «عز وجل»: (ادعوني أستجب لكم)، ووصف ذاته المقدسة متمدحا فقال: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء).

​وأوجب «سبحانه» على عباده الصلاة فرائض معلومة في أوقات محدودة، وليس معنى الصلاة في اللغة إلا الدعاء والعطف.

​وعن المعصومين - صلوات الله وسلامه عليهم - إن الدعاء لب العبادة، فالدعاء إذا هو الصلة الرابطة بين المخلوق والخالق، وهو الوسيلة الناجعة لطلب الخيرات، واستدفاع الشرور والآفات منه - تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه -. ولا يغرنك ما يلفلق به بعض من نزع الله حلاوة الإيمان من قلبه بعدم فائدة الدعاء؛ لأن الله «سبحانه» يعلم ما يحتاجه عبده، وما يرغبه.

​فإذا كان يريد أن يعطيه أعطاه، وإن كانت إرادته اتجهت إلى منعه منه منعه، فلا فائدة من الدعاء. فإن هذا الكلام إنما يكشف عن جهل قائله بحقيقة التوحيد وأحكام الدين.

​فالدعاء وسيلة من الوسائل التي جعلت لتحقيق المطالب لا لجهل الله - سبحانه - بما يريد عبده أو يرغب فيه، ولا لأنه لا يعطيه من دون الدعاء، وإنما لربط عبده به وصلته له شرع له الدعاء كما جعل الشيء ثم طلب العمل والجهد في ذلك وسيلة لتحصيل الرزق فقال سبحانه: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) مع أنه «سبحانه» لا يعجز من إيصال الرزق إلى المخلوق من غير كسب وعمل، بل أن التوجه إلى الكسب والعمل في حقيقته ليس إلا دعاء بطلب الرزق من الله، وكم من كادح لم ينل من كدحه إلا التعب والعرق إذا لم يكتب الله له رزقا من ذلك العمل.

​فالدعاء لا ينحصر في الدعاء اللفظي، بل هو ثلاثة أقسام: دعاء بالجنان، ودعاء باللسان، دعاء بالأركان.

​والدعاء بالجنان أن يتشوق الإنسان إلى نيل مأربه من الله «سبحانه وتعالى» ويتمنى ذلك عليه، معتقدا بأنه سوف يوصله ذلك.

​والدعاء بالأركان هو الحركة والسعي لتحقيق ذلك المأرب وتسبيب الأسباب والمقدمات الطبيعية التي تحقق ذلك الشيء في العادة المعروفة من نظام الكون.

​والدعاء باللسان أن يقول: اللهم أعطني كذا، وأمثال ذلك.

​والحقيقة أن الدعاء لكي يستجاب لا بد أن يتكون من هذه الأقسام الثلاثة بأن يتوجه نفسيا إلى الله «سبحانه» بتحقيق رغبته وأن يتحرك بأركانه وليسعى إلى تحصيله من الطرق التي رتب الله بها نظام الكون في ربط المسببات بالأسباب وأن يتعبد الله «سبحانه» بالسؤال اللفظي في توفيقه وتمكينه من تحقيق مأربه.

​والدعاء فوق هذا وذاك عبادة من العبادات التي شرعها الله لعباده يتحقق بموجبها الثواب الأخروي، ولقد ذكر «سبحانه» قوما يأبون سؤاله ودعاءه فوصفهم بالتكبر على عبادته فقال فيما أنزل من كتابه: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) فبحسب الروايات الواردة في تفسير الآية الذين لا يدعونه.

​وهذه العبادة منها ما هو محدد مؤقت ومنها ما ليس بمحدد ولا مؤقت:

​أما ما ليس بمحدد ولا مؤقت فهو ما يخطر على ذهن الإنسان من الألفاظ التي يقولها عند التوسل إلى الله في أمر من الأمور إذ لا شك أنه يجوز للإنسان أن يدعو بما يلهمه الله من الألفاظ في وقت طلبه الشيء من الله «سبحانه وتعالى» أي لفظ كان وبأي لغة من لغات البشر.

​لكن لا يجوز له أن يضع دعاء معينا بصيغة خاصة ويدعي أن هذا الدعاء للأمر الكذائي والحاجة الفلانية أو للوقت الفلاني والمكان الكذائي. فإنه يكون في الحقيقة افتراء على الله «سبحانه» ومن هذا القبيل الأدعية التي يضعها بعض الصوفية ويضعون لها شرائط خاصة وأوقات معينة وربما اشترطوا تكرارها عددا محدودا. فالعبادة المؤقتة المحدودة بتوقيفه لا يجوز وضعها إلا من قبله «سبحانه وتعالى». ولا تعلم إلا بالرواية عن نبيه وأهل بيته «عليهم الصلاة والسلام». ولذلك لا ينبغي الاعتقاد بالأدعية المؤقتة التي ليس لها سند يوصلها إلى المعصوم.

​الدعاء المؤقت والمحدد بأوقات معلومة أو لأماكن خاصة أو لأغراض معينة. ومن هذه الأدعية الواردة عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» والأئمة «صلوات الله وسلامه عليهم» ولا ينبغي التساهل في شأن طرق ثبوتها ما دامت مؤقتة ومحددة. فإن الاعتقاد باستحباب عبادة ما في وقت معين أو مكان معين أو لأمر معين في نسب الأمر بذلك إلى الباري جل اسمه. وهو أمر عظيم خطير فليس كل دعاء وردت به رواية ما يصح الاعتقاد به، والإتيان به باعتقاد أنه موظف في ذلك الوقت أو الزمان.

​ولقد أغنى الله شيعة آل محمد «عليه وآله الصلاة والسلام» عن الوضع في هذا الشأن أو العمل بالروايات غير الثابتة بالأدعية التي رواها الثقاة عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» والأئمة من عترته من لدن أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى ما ورد في التوقيعات عن مولانا المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه.

​والأدعية الواردة عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأهل بيته تمتاز عما وضعه الواضعون بجزالة ألفاظها وبلاغة أساليبها، وعمق مضامينها، وجلالة مطالبها. ولا غرو في ذلك فهم أفصح العرب على الإطلاق ألسنا، وأبعد العلماء غورا، وأعرف الخلق بما يليق بمقام الباري من الخطاب، وما ينبغي أن يقال في حضرته من المقال: إضافة إلى أنهم «صلوات الله عليهم» قد راعوا ما يحتاج الناس معرفته من حقائق التوحيد، ومكارم الأخلاق فجعلوا الدعاء وسيلة إلى إيصاله إلى آذان الناس ونفوسهم. فجاءت أدعيتهم «عليهم السلام» شرحا للعقائد وبيانا للمقاصد الدينية والخلقية.

​ولعل دعاء أبي الأحرار سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول الأعظم الحسين بن علي «عليه السلام» الذي قاله في موقف عرفات من أبرز الشواهد على ذلك، فليس في فقراته من فقرة، ولا في جمله جملة، بل ولا في كلماته كلمة إلا وهي تتضمن معنى رائقا، ومطلبا من مطالب الدين جليلا.

​فلا غرو إذا أن يجتذب هذا الدعاء فضيلة الشيخ عباس الريس، وهو الأديب البارع، والشاعر البارع، ويشده إليه فيقوم بشرح ألفاظه، وبيان معانيه وتفصيل مطالبه، ولقد أجاد في فعله كما أجاد باختياره، حيث أخرج هذا الشرح الرائق، فشكر الله سعيه وبلغه أمانيه وأجزل له عطاءه، وأشركنا وإياه في ثوابه.

​سليمان المدني

1409/1/16 هـ

جد حفص - البحرين



مقالات مشابهة