​استنهاض الحجة (عليه السلام)

الشيخ عباس الريس 


تأتي هذه القصيدة كامتداد لغرض "استنهاض الحجة"، ولكنها تصاغ هنا بقالب فني يشبه الموشحات، حيث تعتمد على المقاطع (التي دمجت أشطارها) وتتوج دائماً بلازمة متكررة هي صرخة "عيل صبري" (نفد صبري). يستعرض الشاعر من خلالها شريط المآسي التي توالت على أهل البيت (عليهم السلام)، بدءاً من حرق الدار، وصولاً إلى فاجعة كربلاء وتفاصيلها المروعة كمقتل الرضيع واستبسال الإمام الحسين وحيداً. ويعمل التكرار المقطعي للازمة على تصعيد الشحنة العاطفية، مجسداً حالة الانتظار المرير والنفاد البشري للصبر أمام الظلم التاريخي، ومناجياً المهدي المنتظر للظهور كضرورة حتمية لإقامة العدل وشفاء الصدور.


يا وليَّ الله في الارض لقد طال الرجاءُ وعداكم بلغوا فيما جنوه كيف شاؤا

وقلوب قد عفاها الوجدُ اذ عزّ العزاء وغدت والهة ثكلى تنادي

عِيلَ صبري

​كم تمنّى البيض في الاغماد من كفك قبضا ليس الاّ عزمك الصارم يهتزّ فتُنتضى

فتراها شهباً قد كست الآفاق ومضا فهي تنخاك بدمعات سفوحةْ

عيل صبري

​نسيت كلّ صفوف لكم كيف الطرادُ وحدود السمر قد أصبح يأباها الفؤادُ

من كلالٍ بعد ماقد أصبحت وهي حدادُ أضحت اليوم تناديك بكاءْ

عيل صبري

​فمتى نسمع من جانبِ بيتِ الله لحنا يملأ الارض دوياً وله كم نستمِنّى

وربوع الشرق والغرب بها الصارم غنّى فلنا كم حنّة في القلب تنعى

عيل صبري

​كم مصاب لكم في الدهر قد جلَّ مصابا وبه قاست قلوبٌ شفّها الوجد عذابا

وبه قد شربت كأس الجوى صاباً فصابا وتمنّت للردى حتى أباحتْ

عيل صبري

​فسل الباب الذي سعّره الاقوامُ نارا والذي كان لدين الحق والمجد شعارا

وبه من وُحِّد الخالق سرّاً وجهارا فهو من أيامه تلك ينادي

عيل صبري

​لست أنسى اذ أحاطوا الباب بالنيران جهرا واستباحوا حرمات صانها الرحمان قهرا

أمّك الزهراء ألقت محسناً بالباب عصرا وهنا لم استطع قولاً ففيهِ

عيل صبري

​كيف تصبو بعدما قادوا أباك الطهر حيدرْ وهو القائد آساداً وفي الحرب المظفّرْ

وغدت من خلفه فاطمة تمشي وتعثَرْ وتنادي من صميمِ القلب فيهم

عيل صبري

​بأبي أفديه اذ قادوه عدواناً وظلما هدموا لو شعروا فيه الهدى والمجد هدما

ابعينيك ترى الدين بسهم البغي يرمى وبكفيك تنادي البغي لمعاً

عيل صبري

​كم وكم من فادحٍ جلّ عن الوصف مصابُه أمطر الجفن دماً مثل الشآبيب عذابُه

ليت عينيك ترى عمك بالسم شرابُه وترى من حوله زينب تبكي

عيل صبري

​أي يوم يومُه قد ألبس الافق حدادا وجبال الارض من حزنٍ تبرقعن سوادا

فبكته الجن، والانس قد استبكى الجمادا ووحوش البرّ نادت بعد أُنسٍ

عيل صبري

​ولكُم يومٌ بأرض الطف قد طال بلاهْ فيه قد عمّ مصابٌ فعفى القلب لظاهْ

فرثاه كل ذي لحن طروب ونعاهْ وروايا الشعر حنّت والقوافي

عيل صبري

​كيف تسلو وحشا الدين غدا منهم جريحا كم لكم من بطلٍ فوق الثرى أمسى طريحا

البسته البيض من اوداجه ثوباً سفوحا ونساء أعولت لمّا رأته

عيل صبري

​ورضيعٍ من صداه كاد أن يفنى أواما جرّعوه الموت بالسهم زؤاماً وفطاما

فبكته امه الثكلى بدمع قد تهامى وغدت تندب من قلب صبورٍ

عيل صبري

​واصريعاً ملأ الدنيا بكاءاً وعويلا كلما طال المدى فالذكر لا زال طويلا

وله جلّ مصابٌ ترك الطرف كحيلا وبه كم دمعة نادت خريراً

عيل صبري

​أي يوم ألبس الاسلام سربالاً جديدا البسته سالفات الدهر في الكون خلودا

كلما شاب على بعد المدى عاد وليدا أبلت الايام ذكراه فنادت

عيل صبري

​يا وحيداً ترك الجمع ذوي شمل شتاتِ كم له من موقف في الروع يوحي بالثباتِ

دوّخ الابطال حتى لعقت كأس المماتِ من لقاه البيض نادت في جموعٍ

عيل صبري

​بأبي من صال والقلب كبركان يفورُ بحسام ترك الانفس تهوي وتطيرُ

ترك الابطال لا تدري الى أين تصيرُ غرقت في دمها الخيلُ فنادت

عيل صبري

​ضيق الارض بأجساد العدى والدمُ سالا أبحراً أمواجها طاشت من الأرض جبالا

لا ترى ان فزعت من بأسه الخيلُ مجالا وقفت قهراً تنادي الموت خوفاً

عيل صبري

​يا قتيلاً قد بكت في يومه السبع الشدادُ وتبرقعن نواحي الارض حزناً بالسوادُ

وله حزناً كسي الأفقُ بأثواب الحدادُ وبكاه بدمٍ قانٍ ونادى

عيل صبري

 

مقالات مشابهة