الفرق بين التكفل به والتكفل له

الشيخ عباس الريس 



 

وهناك فروقٌ بين هاتين الحالتين نذكر منها ما يلي:

​فالأول يعني درء المخاطر والشرور ورد الأعداء من جن وإنس، وكل ما يتربص بالإنسان الدوائر من حيث يعلم أو لا يعلم، فإن الله قد تكفل بأن يبعد الإنسان عن كل ذلك، فلن يصيبه إلا ما كُتب له.

​وأما الثاني فإنه يعني التكفل بالرزق من حيث الحاجة وعدمها، فإن الله - سبحانه - قد كفل للإنسان ذلك من قبل خلقه، والتزم له بكل حاجاته في الدنيا بما يحتاج إليه. وقد مر كثيراً ذلك في تضاعيف الكتاب بمختلف أجزاءه.

​ثم انتقل - عليه السلام - بذلك الأسلوب، وذلك الإستفهام الذي ملؤه التعجب إلى الإعتراف، بل التسليم بنعمه أخرى، فقال: (وكيف أضام وأنت الناصر لي؟) والضيم كما ورد في بحث اللغة هو الظلم، وكأنه يقول - عليه السلام -: أنا لا أتوقع منك ضيماً، لأنك أنت ناصري، ولا يمكن أن يأتي الظلم من الناصر، ثم إنك غير محتاج إلى ظلمي.

​وربما ورد إحتمال آخر وهو: أني ألا أتوقع ظلم ظالم أولا أهابه؛ لأنك أنت ناصري، ومن كنت أنت ناصره فلا يهاب أحداً. وقد ورد في الحديث القدسي قوله تعالى: «يا ابن آدم لا تخشى سلطاناً غير سلطاني».

​وإذا تأملت إلى الضيم الذي ذُكر في العبارة بعد أن عرفت معناه اللغوي وهو الظلم تراه أنه يأتي من كثير من الجهات التي يستقي منها الإنسان حياته، فمرة يوفق لقضاء ما يحتاج إليه، ومرة يرد رداً جميلاً، ومرة يرد رداً قبيحاً، ومرة يُعتدى عليه فيؤخذ حقه، ولا يأتي معنى الضيم إلا بعد اشتداد الخطب، ومعنى ذلك أنه يُظلم ولا يستطيع أن يرد ظلامته، أو يبث شكواه إلى غيره، أو يغصب حقه، ولا يستطيع أن ينتصف لنفسه، أو لا يستطيع أن يسترده إلا بمضاعفات أخرى وعواقب وخيمة.

​ومرة أخرى نقول بأن الضيم الذي أشار إليه وتعجب منه لا يناله وهو في حماية الله ورعايته، ولله هو الطالب الغالب، وهو ناصر من لا ناصر له. والإلتجاء إلى الله بهذا الإسلوب، والتعبير بهذا الكلام هو من أروع ما يتناسب في ذلك المقام العظيم، ومن أروع ما يقال من الكلام الذي يوجه إلى الله سبحانه في مثل تلك الحال التي يكون عليها الناسك.

​وبهذا الأسلوب يواصل - عليه السلام - التضرع وطرح الإستفهام والتعجب فيقول (أم كيف أخيب وأنت الحفي بي، ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك) أما الخيبة فهو الخسران المبين، ولكنه ليس الخسران لشيء موجود وإنما لشيء يتوقع الإنسان حصوله ثم يحول بينه وبينه عائق يجعله منه في حالة يأس يؤدي إلى خسرانه وتركه. وهذا لا يحصل إلا إذا كان الإنسان يعول على الإنسان فيشافهه بذلك.

​أما إذا توكل الإنسان على ربه، وأخلص في هذا التوكل فإن الله عند حسن ظن العبد، يكرمه ويحقق رجاءه، بل ويزيد في إكرامه؛ وذلك بأن يعطيه فوق ما يُؤمل، أو يرزقه من حيث لا يحتسب، وهذا معنى الحفاوة الحاصلة من الله تعالى لعبده. وهذا ما يفسره قوله - عليه السلام - بلا فصل (ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك) قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إن ﴿ها أنتم﴾ للتنبيه، وقد كثر التنبيه في (هذا) ولم يكثر في (ها أنت) لأن (ذا) مبهم، من حيث يصلح لكل حاضر. والمعنى فيه واحد بعينه ممّا يصلح له، فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك (أنت)؛ لأنه لا يضر في الجملة، وإنما هو للمخاطب.

​قال المؤلف: وضمير المتكلم الوارد في النص من عبارة الدعاء بعد هاء التنبيه ينطبق عليه ذلك تمام الإنطباق، فإنه وإن كان حاضراً إلا أنه لا يصلح لكل حاضر.

​أما معنى التوسل بالفقر الوارد في العبارة فهو يعني الإعتراف بالحاجة إلى الله، وهذا ما أشار إليه الكتاب العزيز في قوله تعالى على لسان موسى بن عمران ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال المفسرون فيها: قد حمل الأكثرون قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ﴾ على سؤال طعام يسدّ به الجوع، وعليه فالأولى أن يكون المراد بقوله (ما أنزلت إلى) القوة البدنية التي كان يعمل بها الأعمال الصالحة التي فيها رضا الله، كالدفاع عن الإسرائيلي والهرب من فرعون بقصد مدين، وسقي غنم شعيب.

​ويظهر منه أنه - عليه السلام - كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل، ولا يريده - وإن كان مما يقتضيه منه طبعه البشري - إلا ابتغاء مرضاة ربه، وجهاداً فيه، وهذا ظاهر بالتدبر في القصة، فهو القائل لما وكز القبطي: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ثم هو القائل لما خرج من مصر خائفاً يترقب ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم القائل لما أخذ في السلوك ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ﴾.

​وبنظرة أخرى إن قوله - عليه السلام - (ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك) يعني بعلوك، وعدم حاجتك لأمثالي كعبد مملوك، فأنت إذا خلقتني لم تخلقني إلا لكي تريني عجائب خلقك والتزمت لي بما أحتاج إليه في حياتي كلها، ولكنك لم تحتج إلي في شيء، فأنا الفقير وأنت الغني، والفقير محتاج إلى الغني، وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال في الميزان: قصر الفقر فيهم وقصر الغنى فيه - سبحانه - فكل الفقر فيهم، وكل الغنى فيه وإن كان الغنى والفقر وهما الوجدان والفقدان متقابلين لا يرتفعان عن موضوعهما كان لازم الفقر السابق قصر آخر، وهو قصرهم في الفقر، وقصره تعالى في الغنى، فليس لهم إلا الفقر، وليس له تعالى إلا الغنى، وهما الحاجة وعدمها.

​فالله سبحانه غني بالذات له أن يذهبهم ويستغني عنهم، وهم فقراء بالذات ليس لهم أن يستغنوا عنه بغيره.

​والملاك في غناه تعالى عنهم وفقرهم أنه تعالى خالقهم ومدبر أمرهم، وإليه الإشارة بأخذ لفظ الجلالة في بيان فقرهم وبيان غناه، والإشارة إلى الخلق والتدبير في قوله بعد هذه الآية ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

​فيعود معنى الكلام إلى نحو من قولنا: يا أيها الناس أنتم بما أنكم مخلوقون مدبرون لله أنتم الفقراء إلى الله فيكم كل الفقر والحاجة، والله بما أنه خالق مدبر الغني لا غني سواه.

​ولا ضير في قصر الفقر في الناس سواه أريد به المكذبون خاصة أو عامة الناس مع كون غيرهم من المخلوقات فقراء إلى الله كمثلهم، وذلك أن عموم علة الحكم يعمم الحكم، فكأنه قيل أنتم معاشر الخليقة الفقراء إلى خالقكم والمدبر لأمركم وهو الغني الحميد.

​وتذييل الآية بصفة الحميد للإشارة إلى أنه غني محمود الفعال إن أعطى وإن منع؛ لأنه إذا أعطى لم يعطه البدل؛ لغناه عن الجزاء والشكر، وكل بدل مفروض وإن منع لم يتوجه إليه لائمة إذ لا حق لأحدٍ عليه ولا يملك منه شيء.

​فتوسله - عليه السلام - بفقره إلى الله هو كما لو توسل بغناه - سبحانه - فكأنه قال: أنت الغني الذي تعطي على غير جزاء، وعطاؤك ومنعك فعل محمود في الحالتين، ولكني في فقري وحاجتي لا أظن أنك تمنعني حاجتي بعد أن إطلعت على حقيقة أمري؛ لأنك غني عن شقائي. فهو يتوسل بالغنى دون الفقر، لأن الفقر عدم، والغنى وجود، فعندما يتوسل بغنى الله سبحانه فإنه يتوسل بصفة من صفاته تعالى، أو بعبارة أخرى توسل به إليه، وهذا ما أشارت إليه العبارة التالية (وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك) لأن الغني من صفاته سبحانه الدائمة فهي تنفي الفقر المتمثل في الإنسان والذي توسل به إليه؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع الفقر والغنى فيه سبحانه؛ لأنه لو قلنا باجتماعهما لقلنا باجتماع المتقابلين، ولو قلنا بزوال الغنى وحلول الفقر لزم من ذلك الحاجة، وهو منزه عن ذلك، فالفقر محال أن يصل إليه سبحانه، ولا يمكن تصوره فيه بوجه من الوجوه، ولو كان ذلك افتراضاً.

​والإستفهام المطروح هو كما سبق تفسيره في العبارات السابقة، وكما سوف يأتي في العبارات اللاحقة، بأن المقصود منه ليس الإستفهام حقيقة، بل هو التعجب، والتعجب الوارد في بعض الإستفهامات يلتمس منه تأكيد على المعنى.

​وعلى كل حال فإن العبارة تشير إلى أن الفقر لا يصلح أن يكون وسيلة في نيل المطالب من الله سبحانه - كما أوهمت ذلك العبارة السابقة - لأن الفقر عدم، والعدم لا ينتج عنه وجود، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولكن الغنى هو الذي يحقق ما يطلب العبد من الله.

​وبنظرة أولية بسيطة إنا نجد في أوساطنا أن السائل أو المحتاج يقصد الغني دون الفقير، وإن كان العطاء ربما يحصل من كليهما، بل ربما يحصل من الفقير دون الغني، ولكن مظنة العطاء الجزيل هو من الغني وليس من الفقير؛ لأن توفر المال عند الغني أكثر من توفره عند الفقير؛ ولأن كلاً يعطي على قدره.

​وبنظرة أخرى أدق أن غناك يؤثر في فقري فأكون غنياً، ولكن فقري لا يؤثر في غناك فتكون فقيراً، أي أنك إذا أعطيتني لا ينقصك العطاء ولا تنفد خزائنك، ولا يزيدك ذلك إلا جوداً وكرماً. وهذا ما أشارت إليه الآيات الكثيرة في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ قال في الميزان: إن الذي عندكم أي في الحياة الدنيا التي هي حياة مادية قائمة على أساس التبدل والتحول، منعوتة بنعت الحركة والتغير زائل نافد، وما عند الله سبحانه مما يعد المتقين منكم باق لا يزول ولا يفنى، والباقي خير من النافد بصريح حكم العقل.

​والإطلاق في الآية قاعدة كلية غير منقوضة باستثناء، تحتها جزئيات كثيرة من المعارف الحقيقية.

مقالات مشابهة