المقدمة الثالثة لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة
![]() |
| أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة. |
المقدمة الثالثة
في الدعاء وفضله
جاء في فضل الدعاء : بأنه مخ العبادة ، وأنه سلاح المؤمن . وقد ركز الشارع على العبادة بما هي عبادة وطرح لها اعتبارات لكي يزيد من ثوابها ، وتضاعيفه .
والدعاء شيء من العبادة ، بل هو العبادة ، وذلك لشدة الملازمة بينهما ، فلا يمكن أن نتصور عبادة خالية من الدعاء وقد ذكروا أنه يأتي بمعنى الصلاة إلا أن هذا اللفظ صار منقولاً من أصل اللغة إلى الإصطلاح الشرعي الذي خصص المعنى اللغوي .
الدعاء عبادة مركزة ، لأن الداعي لا يدعو إلا بعد أن ينطوي معناه في القلب . فهو أقرب إلى الروح من المادة ، وأقرب إلى السماء من الارض ، وأقرب إلى الآخرة من الدنيا ، وأخيراً أقرب إلى الخالق من المخلوق . وبهذا يرتفع الإنسان الداعي إلى مصاف الملائكة إذا هو دعا وهو على هذه الصفة .
إن المجال الروحي أوسع من المجال المادي الذي يدور في فلكه جسم الإنسان الذي احتاج إلى تلك الأبعاد المتفاوتة . والروح تستطيع أن تتحرر من جميع القيود التي تحيط بالإنسان في هذا الكون المليء بالأجسام الفولاذية ، كما قال العالم الرياضي أنيشتاين .
وفعل الدعاء في هذا المجال فعل كثير . فهو يقرب إلى الله زلفى ، ويبعد الإنسان عن غمرة الأهواء ، والنزعات التي تجتاحه بين آونة وأخرى ؛ لأنه في هذه اللحظات المملوءة بذكر الله «سبحانه» يعيش في أمن وأمان ؛ لأنه يناجي رب الأرباب ، في ظل أمنه وأمانه . ومن جهة أخرى ، إن الداعي وهو يمارس هذه العبادة ، يشعر بطمأنينة ؛ لأنه في مناجاته ، لا يطمع في شيء سوى رضوان الله ، ومن ثم فإن إجابته وتلبية مطالبه إن كانت خيراً هي محققة .
ثم إن الداعي في هذه الحالة لا يشك أحد في أنه قد بلغ من الثقة بربه بحيث أصبح لا يرجو إلا فضله ، ولا يأمل إلا نواله ، ولا يزيد إلا عطاءه ، والله أجل وأكرم من أن يرد لهذا العبد دعوة ، أو يخيب ظنّاً ، وإذا ظن العبد بربه خيراً ، فإن الله عند ظن عبده ، فليظن العبد بربه خيراً .
أما مكان الدعاء وزمانه ، فقد ورد عن أهل البيت الطاهر «عليهم السلام» في ذلك الشيء الكثير ، وتجد بعضه في تضاعيف الكتاب الذي بين يديك ، ونذكر هنا بعضاً مما جاء عنهم «سلام الله عليهم» .
فمنها ما جاء في البحار ما ملخصه : عن زيد النوسي قال : كنت مع معاوية بن وهب في الموقف ، فما رأيته يدعو لنفسه بحرف واحد ، ورأيته يدعو لرجل رجل من الآفاق بأسمائهم وأسماء آبائهم ، حتى أفاض الناس ، فقلت له يا عم : لقد عجبت منك ومن إيثارك إخوانك على نفسك في مثل هذا الموضع . فقال : لا تعجب فإني سمعت مولاي ، ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، جعفر الصادق «عليه السلام» ، وإلا صمت أذنا معاوية ، وعميت عيناه ، ولا نالته شفاعة محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إن لم أكن سمعت منه ، وهو يقول : من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب ، ناداه ملك من السماء الدنيا : يا عبد الله ، ولك مائة ألف ضعف ما طلبت لأخيك ، ويناديه ملك من السماء الثانية : يا عبد الله ، ولك مائتا ألف ضعف ما دعوت ، وهكذا كل سماء يزاد فيها مائة ألف إلى السماء السابعة فييناديه ملك : يا عبد الله ولك سبعمائة ألف ضعف ما دعوت ، فييناديه الله «سبحانه» : أنا الغني لا أفتقر يا عبدي لك ألف ألف ، ضعف ما دعوت . فانظر أين أكثر يا بن أخي ؟ ما اخترته أنا لنفسي ، أو ما اخترته أنت لي ؟ .
وفيه أيضاً عن مصابيح الأنوار ، عن جعفر بن محمد «عليهما السلام» قال : كانت فاطمة إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ، ولا تدعو لنفسها ، فقيل لها : فقالت : الجار ثم الدار .
وفيه أيضاً عن كتاب الاختصاص ، عن ابن الوليد عن سعد ، عن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه قال : كان عيسى ابن أعين إذا حج فصار إلى الموقف أقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس ، فقيل له : تنفق مالك وتتعب بدنك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تبث فيه الحوائج إلى الله ، أقبلت على الدعاء لإخوانك ، وتترك نفسك ؟ فقال : إني على يقين من دعاء الملك لي ، وفي شك من الدعاء لنفسي .
وفيه أيضاً عن الاختصاص : أحمد بن محمد بن القاسم الكوفي ، عن علي بن محمد بن يعقوب ، عن علي بن الحسن بن فضال عن علي بن أسباط ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، أو عبد الله بن جندب قال : كنت في الموقف ، فلما أفضت لقيت إبراهيم بن شعيب ، فسلمت عليه ، وكان مصاباً بإحدى عينيه ، وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم ، فقلت له : قد أصبت بإحدى عينيك ، وأنا مشفق لك على الأخرى ، فلو قصرت من البكاء قليلاً ! قال : لا والله يا أبا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة فقلت : فلمن دعوت ؟ قال : دعوت لإخواني ، سمعت أبا عبد الله «عليه السلام» يقول : من دعا لأخيه بظهر الغيب وكل الله به ملكاً يقول : ولك مثلاه ، فأردت أن أكون إنما أدعو لإخواني ، ويكون الملك يدعو لي ، لأني في شك من دعائي لنفسي ، ولست في شك من دعاء الملك لي .
وأنت إذا تأملت ما ذكرنا من الأخبار وغيرها مما لم يذكر أخذك العجب في هذا الكلام الذي يصدق آخره أوله ، فإن أئمة الهدى «عليهم السلام» ، قد محضوا النصح للناس جميعاً ، وشرعوا مسالك للدعاء ، وعرفوا الناس كيفية الخطاب مع المولى «سبحانه» فكانوا يترسمون الطريق الذي به يصل الإنسان إلى ربه ، ويشيرون إلى مواطن الخير والبركة التي يتوخاها الداعي من دعائه .
إن نبذ الأنانيات المقيتة في حالة الدعاء ، وتذويب الإنسان نفسه في إخوانه المؤمنين ، وتقديمهم في الدعاء على نفسه لهو أقصى درجات الكمال الإنساني ، فلو التزم كل إنسان بالدعوة لأخيه في ظهر الغيب ، ونبذ الظنون الباهتة في أخيه وأحسن الظن به ، لانتفت كل عاهة في المجتمع الإنساني وعلى رأسها النفاق الذي كان ولا يزال ينخر في عظام الأمة منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها بوادر الرحمة للإنسان ، وبدأت فيها الدعوة الإسلامية في العطاء ، ثم لارتفعت الوساوس والأوهام من قلوب الناس .
ويظهر لك مما تقدم أيضاً أن يوم عرفة هو يوم دعاء ومسألة . وفي هذه الروايات حث على استغلال ذلك اليوم ، وعدم التفريط فيه ، وإن كثرة الأدعية التي وردت فيه دليل على أهمية الزمان والمكان .
أما الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء ، أو تكون مظنة الاستجابة أوقات بارك الله فيها ، وقد ذكرنا في مطاوي الكتاب بعضاً من هذه الأوقات المباركة ، ونضيف هنا شيئاً آخر من ذلك فنقول :
في نوادر الراوندي ، بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه «عليهم السلام» قال : قال علي «عليه السلام» : إذا فاء الأفياء ، وهبت الرياح ، فاطلبوا حوائجكم من الله تعالى ، فإنها ساعة الأوابين .
وفي الاختصاص : قال الصادق «عليه السلام» : يستجاب الدعاء في أربعة مواطن : في الوتر ، وبعد طلوع الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب .
وفي جواهر الكراجكي : عنهم «عليهم السلام» ، من كانت له إلى الله حاجة فليطلبها في ستة أوقات : عند الأذان ، وعند زوال الشمس ، وبعد المغرب ، وفي الوتر ، وبعد صلاة الغداة ، وعند نزول الغيث .
وجاء في أمالي الطوسي عن الغضائري ، عن التلعكبري عن محمد بن همام ، عن الحميري ، عن الطيالسي ، عن رزيق الخلفاني قال : سمعت أبا عبد الله «عليه السلام» يقول : عليكم بالدعاء والإلحاح على الله عز وجل في الساعة التي لا يخيب الله عز وجل فيها براً ولا فاجراً ، قلت : جعلت فداك وأي ساعة هي ؟ قال : هي الساعة التي دعا فيها أيوب «عليه السلام» ، وشكا إلى الله عز وجل بليته ، فكشف الله عز وجل ما به من ضر ودعا فيها يعقوب «عليه السلام» فرد الله عليه يوسف ، وكشف الله كربته ، ودعا فيها محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فكشف الله عز وجل كربه، ومكنه من أكتاف المشركين ، بعد اليأس أنا ضامن ألا يخيب الله عز وجل في ذلك الوقت براً ولا فاجراً ، البر يستجاب له في غيره ويصرف الله إجابته إلى ولي من أوليائه ، فاغتنموا الدعاء في ذلك الوقت .
أرأيت كيف يضع الأئمة «عليهم السلام» أيدينا على اللامحسوسات ، لكي يغتنم الإنسان هذه الأوقات الثمينة التي ربما لا تعود ، وينصحون بالإلحاح في المسألة ، فإنه من كثر من قرع الباب يوشك أن يفتح له .
وبهذا الإعتبار نستطيع أن نقول : أن الدعاء له أهمية في علاج النفس الإنسانية ، وترويضها ، وكبح جماحها ؛ لأن الداعي كما أشرنا سابقاً ينقطع به عن الدنايا وشوائب المادية الهزيلة ، ويرتفع به إلى الملأ الأعلى ؛ ليزاحم الملائكة في عبادتها ، وينافسها في مراتبها ، ولا أطيل في هذه المقدمة بأكثر مما ذكرت ، ومن أراد الإلمام بأكثر من ذلك فعليه بمراجعة كتب الأدعية المختصة بذلك فإن فيها كنوزاً من الخير ، ومعيناً من البركة لا ينضب ، وبحوراً من العلم والمعرفة لا تنفد .
والله قريب مجيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
البحرين ـ الدراز عباس أحمد الريس الدرازي
