المقدمة الثالثة لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة

أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة. 



 تُجَلِّي هذه التوطئة فضيلة الدعاء بوصفه لب العبادة ومعراجاً تسمو به روح المؤمن عن كثافة المادة وشوائبها إلى رحاب الملأ الأعلى، مستجلية أثره البليغ في بث الطمأنينة وتهذيب النفس وكبح جماحها. وقد أسهب المصنف في بيان منزلة الإيثار في المناجاة، مستشهداً بمأثور روايات العترة الطاهرة التي تحث على استنزال الرحمات للإخوان بظهر الغيب نبذاً للأثرة والأنانية، كما استقصى مظان الاستجابة من الأوقات المباركة والمواقف الشريفة، ولا سيما يوم عرفة، داعياً إلى ملازمة الإلحاح في المسألة استمطاراً لفيوضات الخالق، وتزكية للقلوب لتزاحم الملائكة في مراتب الطاعة.


المقدمة الثالثة

في الدعاء وفضله

​جاء في فضل الدعاء : بأنه مخ العبادة ، وأنه سلاح المؤمن . وقد ركز الشارع على العبادة بما هي عبادة وطرح لها اعتبارات لكي يزيد من ثوابها ، وتضاعيفه .

​والدعاء شيء من العبادة ، بل هو العبادة ، وذلك لشدة الملازمة بينهما ، فلا يمكن أن نتصور عبادة خالية من الدعاء وقد ذكروا أنه يأتي بمعنى الصلاة إلا أن هذا اللفظ صار منقولاً من أصل اللغة إلى الإصطلاح الشرعي الذي خصص المعنى اللغوي .

​الدعاء عبادة مركزة ، لأن الداعي لا يدعو إلا بعد أن ينطوي معناه في القلب . فهو أقرب إلى الروح من المادة ، وأقرب إلى السماء من الارض ، وأقرب إلى الآخرة من الدنيا ، وأخيراً أقرب إلى الخالق من المخلوق . وبهذا يرتفع الإنسان الداعي إلى مصاف الملائكة إذا هو دعا وهو على هذه الصفة .

​إن المجال الروحي أوسع من المجال المادي الذي يدور في فلكه جسم الإنسان الذي احتاج إلى تلك الأبعاد المتفاوتة . والروح تستطيع أن تتحرر من جميع القيود التي تحيط بالإنسان في هذا الكون المليء بالأجسام الفولاذية ، كما قال العالم الرياضي أنيشتاين .

​وفعل الدعاء في هذا المجال فعل كثير . فهو يقرب إلى الله زلفى ، ويبعد الإنسان عن غمرة الأهواء ، والنزعات التي تجتاحه بين آونة وأخرى ؛ لأنه في هذه اللحظات المملوءة بذكر الله «سبحانه» يعيش في أمن وأمان ؛ لأنه يناجي رب الأرباب ، في ظل أمنه وأمانه . ومن جهة أخرى ، إن الداعي وهو يمارس هذه العبادة ، يشعر بطمأنينة ؛ لأنه في مناجاته ، لا يطمع في شيء سوى رضوان الله ، ومن ثم فإن إجابته وتلبية مطالبه إن كانت خيراً هي محققة .

​ثم إن الداعي في هذه الحالة لا يشك أحد في أنه قد بلغ من الثقة بربه بحيث أصبح لا يرجو إلا فضله ، ولا يأمل إلا نواله ، ولا يزيد إلا عطاءه ، والله أجل وأكرم من أن يرد لهذا العبد دعوة ، أو يخيب ظنّاً ، وإذا ظن العبد بربه خيراً ، فإن الله عند ظن عبده ، فليظن العبد بربه خيراً .

​أما مكان الدعاء وزمانه ، فقد ورد عن أهل البيت الطاهر «عليهم السلام» في ذلك الشيء الكثير ، وتجد بعضه في تضاعيف الكتاب الذي بين يديك ، ونذكر هنا بعضاً مما جاء عنهم «سلام الله عليهم» .

​فمنها ما جاء في البحار ما ملخصه : عن زيد النوسي قال : كنت مع معاوية بن وهب في الموقف ، فما رأيته يدعو لنفسه بحرف واحد ، ورأيته يدعو لرجل رجل من الآفاق بأسمائهم وأسماء آبائهم ، حتى أفاض الناس ، فقلت له يا عم : لقد عجبت منك ومن إيثارك إخوانك على نفسك في مثل هذا الموضع . فقال : لا تعجب فإني سمعت مولاي ، ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، جعفر الصادق «عليه السلام» ، وإلا صمت أذنا معاوية ، وعميت عيناه ، ولا نالته شفاعة محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إن لم أكن سمعت منه ، وهو يقول : من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب ، ناداه ملك من السماء الدنيا : يا عبد الله ، ولك مائة ألف ضعف ما طلبت لأخيك ، ويناديه ملك من السماء الثانية : يا عبد الله ، ولك مائتا ألف ضعف ما دعوت ، وهكذا كل سماء يزاد فيها مائة ألف إلى السماء السابعة فييناديه ملك : يا عبد الله ولك سبعمائة ألف ضعف ما دعوت ، فييناديه الله «سبحانه» : أنا الغني لا أفتقر يا عبدي لك ألف ألف ، ضعف ما دعوت . فانظر أين أكثر يا بن أخي ؟ ما اخترته أنا لنفسي ، أو ما اخترته أنت لي ؟ .

​وفيه أيضاً عن مصابيح الأنوار ، عن جعفر بن محمد «عليهما السلام» قال : كانت فاطمة إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ، ولا تدعو لنفسها ، فقيل لها : فقالت : الجار ثم الدار .

​وفيه أيضاً عن كتاب الاختصاص ، عن ابن الوليد عن سعد ، عن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه قال : كان عيسى ابن أعين إذا حج فصار إلى الموقف أقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس ، فقيل له : تنفق مالك وتتعب بدنك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تبث فيه الحوائج إلى الله ، أقبلت على الدعاء لإخوانك ، وتترك نفسك ؟ فقال : إني على يقين من دعاء الملك لي ، وفي شك من الدعاء لنفسي .

​وفيه أيضاً عن الاختصاص : أحمد بن محمد بن القاسم الكوفي ، عن علي بن محمد بن يعقوب ، عن علي بن الحسن بن فضال عن علي بن أسباط ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، أو عبد الله بن جندب قال : كنت في الموقف ، فلما أفضت لقيت إبراهيم بن شعيب ، فسلمت عليه ، وكان مصاباً بإحدى عينيه ، وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم ، فقلت له : قد أصبت بإحدى عينيك ، وأنا مشفق لك على الأخرى ، فلو قصرت من البكاء قليلاً ! قال : لا والله يا أبا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة فقلت : فلمن دعوت ؟ قال : دعوت لإخواني ، سمعت أبا عبد الله «عليه السلام» يقول : من دعا لأخيه بظهر الغيب وكل الله به ملكاً يقول : ولك مثلاه ، فأردت أن أكون إنما أدعو لإخواني ، ويكون الملك يدعو لي ، لأني في شك من دعائي لنفسي ، ولست في شك من دعاء الملك لي .

​وأنت إذا تأملت ما ذكرنا من الأخبار وغيرها مما لم يذكر أخذك العجب في هذا الكلام الذي يصدق آخره أوله ، فإن أئمة الهدى «عليهم السلام» ، قد محضوا النصح للناس جميعاً ، وشرعوا مسالك للدعاء ، وعرفوا الناس كيفية الخطاب مع المولى «سبحانه» فكانوا يترسمون الطريق الذي به يصل الإنسان إلى ربه ، ويشيرون إلى مواطن الخير والبركة التي يتوخاها الداعي من دعائه .

​إن نبذ الأنانيات المقيتة في حالة الدعاء ، وتذويب الإنسان نفسه في إخوانه المؤمنين ، وتقديمهم في الدعاء على نفسه لهو أقصى درجات الكمال الإنساني ، فلو التزم كل إنسان بالدعوة لأخيه في ظهر الغيب ، ونبذ الظنون الباهتة في أخيه وأحسن الظن به ، لانتفت كل عاهة في المجتمع الإنساني وعلى رأسها النفاق الذي كان ولا يزال ينخر في عظام الأمة منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها بوادر الرحمة للإنسان ، وبدأت فيها الدعوة الإسلامية في العطاء ، ثم لارتفعت الوساوس والأوهام من قلوب الناس .

​ويظهر لك مما تقدم أيضاً أن يوم عرفة هو يوم دعاء ومسألة . وفي هذه الروايات حث على استغلال ذلك اليوم ، وعدم التفريط فيه ، وإن كثرة الأدعية التي وردت فيه دليل على أهمية الزمان والمكان .

​أما الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء ، أو تكون مظنة الاستجابة أوقات بارك الله فيها ، وقد ذكرنا في مطاوي الكتاب بعضاً من هذه الأوقات المباركة ، ونضيف هنا شيئاً آخر من ذلك فنقول :

​في نوادر الراوندي ، بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه «عليهم السلام» قال : قال علي «عليه السلام» : إذا فاء الأفياء ، وهبت الرياح ، فاطلبوا حوائجكم من الله تعالى ، فإنها ساعة الأوابين .

​وفي الاختصاص : قال الصادق «عليه السلام» : يستجاب الدعاء في أربعة مواطن : في الوتر ، وبعد طلوع الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب .

​وفي جواهر الكراجكي : عنهم «عليهم السلام» ، من كانت له إلى الله حاجة فليطلبها في ستة أوقات : عند الأذان ، وعند زوال الشمس ، وبعد المغرب ، وفي الوتر ، وبعد صلاة الغداة ، وعند نزول الغيث .

​وجاء في أمالي الطوسي عن الغضائري ، عن التلعكبري عن محمد بن همام ، عن الحميري ، عن الطيالسي ، عن رزيق الخلفاني قال : سمعت أبا عبد الله «عليه السلام» يقول : عليكم بالدعاء والإلحاح على الله عز وجل في الساعة التي لا يخيب الله عز وجل فيها براً ولا فاجراً ، قلت : جعلت فداك وأي ساعة هي ؟ قال : هي الساعة التي دعا فيها أيوب «عليه السلام» ، وشكا إلى الله عز وجل بليته ، فكشف الله عز وجل ما به من ضر ودعا فيها يعقوب «عليه السلام» فرد الله عليه يوسف ، وكشف الله كربته ، ودعا فيها محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فكشف الله عز وجل كربه، ومكنه من أكتاف المشركين ، بعد اليأس أنا ضامن ألا يخيب الله عز وجل في ذلك الوقت براً ولا فاجراً ، البر يستجاب له في غيره ويصرف الله إجابته إلى ولي من أوليائه ، فاغتنموا الدعاء في ذلك الوقت .

​أرأيت كيف يضع الأئمة «عليهم السلام» أيدينا على اللامحسوسات ، لكي يغتنم الإنسان هذه الأوقات الثمينة التي ربما لا تعود ، وينصحون بالإلحاح في المسألة ، فإنه من كثر من قرع الباب يوشك أن يفتح له .

​وبهذا الإعتبار نستطيع أن نقول : أن الدعاء له أهمية في علاج النفس الإنسانية ، وترويضها ، وكبح جماحها ؛ لأن الداعي كما أشرنا سابقاً ينقطع به عن الدنايا وشوائب المادية الهزيلة ، ويرتفع به إلى الملأ الأعلى ؛ ليزاحم الملائكة في عبادتها ، وينافسها في مراتبها ، ولا أطيل في هذه المقدمة بأكثر مما ذكرت ، ومن أراد الإلمام بأكثر من ذلك فعليه بمراجعة كتب الأدعية المختصة بذلك فإن فيها كنوزاً من الخير ، ومعيناً من البركة لا ينضب ، وبحوراً من العلم والمعرفة لا تنفد .

​والله قريب مجيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

​البحرين ـ الدراز                             عباس أحمد الريس الدرازي


مقالات مشابهة