المقدمة الأولى لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة

كتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة 



 توضح مقدمة هذا الكتاب الدوافع التي جعلت المؤلف يكتب شرحا مفصلا لدعاء يوم عرفة المأثور عن الإمام الحسين، حيث يبين أن استمراره في أداء فريضة الحج لسنوات متتالية هو ما شجعه على هذا العمل لما يحمله ذلك الموقف من رهبة ورغبة. ويهدف الكاتب إلى استخراج المعاني العميقة وتوضيح المقاصد السامية لألفاظ الدعاء، مع تزويد القارئ بالمعلومات اللغوية وسياق العبارات التي تعينه على الفهم. كما يسعى لأن يكون هذا الشرح رابطا يوثق صلة الإنسان بخالقه، معتمدا في نقل النص على أصح النسخ الموثوقة ليرتقي بالنفس الإنسانية نحو مراتب الكمال.

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين وآله الميامين وبعد :

​فقد راودتني فكرة الشرح لهذا الدعاء الشريف قبل بضع سنين ، ولا زلت أتقدم مرة وأتأخر أخرى ، وذلك لأسباب ليس من اللازم أن أتعرض إليها بعد أن منّ الله عليّ بالتوفيق لذلك .

​إلاّ أن جانب الخير لا بد وأن يغلب وذلك عندما توكل الأمور إليه سبحانه ، فإنه يختار لعبده ما هو الأصلح . وإن من جملة الدوافع التي شجعتني على الشروع في هذا الشرح هو المداومة على حج بيت الله الحرام قرابة الثلاث عشرة سنة متوالية ، والحج يفتح للنفس أبواباً من الخير متعددة .

​أما هذا الدعاء بالذات فله صفة خاصة في حياة الناسك في تلك الديار المقدسة ؛ لأن الموقف في ذلك اليوم له طابع خاص يفرضه وضع الإنسان المسلم الذي تمحض للعبادة ، ووطن نفسه على الإمتناع عن زينة الدنيا ولذاتها وكل ما أحله الله له في الحل .

​وإذا قدر للإنسان أن يفهم حياته ، وما يجب عليه في دينه ودنياه ، فليس عليه إلاّ أن يحضر ذلك المحضر الذي يتلى فيه هذا الدعاء الذي جمع أشكالاً شتّى من التضرع والخشوع ، ويتلي غيره أيضاً ، لكي ينصهر في مثل ذلك الوضع الذي كساه الله رهبة ورغبة .

​أما الرهبة فلأن الإنسان المسلم الذي يقوم بتأدية الشعائر المطلوبة ، يرى بأم عينيه ذلك الجمع ، وهو كالفراش المبثوث في زي واحد في حركة واحدة ، في وقت واحد ، ففي مثل هذا الوضع الذي تعج فيه إلى الله الأصوات بصنوف اللغات ، وتغاير اللهجات تأخذ الإنسان رهبة ذلك الموقف .

​فهم بين متضرع يطلب من الله المغفرة والخير ، وخاشع يسأل ربه تعويض ذلك النصب في الوقوف والسير .

​وأما الرغبة فإن الناسك بأعماله تلك لا شك وأنه يرغب فيما عند الله تعالى من الثواب - كما وعد به المتقين - وهو لا يخلف وعده .

​وإن هذا الكتاب محاولة لشرح الدعاء المأثور عن أبي عبد الله الحسين « عليه السلام » كما ذكرت ـ ولقد سلكت في شرحه طريقاً واضحاً لا عوج فيه ، جرياً على عادة من تطرق إلى شرح بعض كلامهم سلام الله عليهم ، مع اختلاف يسير أرجو ألا يفوت القارىء ، عند تأملاته لأبحاث الكتاب المتلاحقة .

​لكن ذلك ليس في كل المواطن ، فإني قد حاولت توضيح المعنى لكن ليس في تهجينه . كما حاولت جهدي بالربط بين المعنى المطروح ، وبين النص المشروح .

​ولقد حاولت أن يكون الكتاب جامعاً شاملاً ، ولقد كنت أستنطق كل كلمة من كلمات الحسين « عليه السلام » في ذلك المحشر . ولما كان الدعاء يحتوي على كلمات بعيدة عن أفهام الكثير من الناس ، حاولت التوسع في شرح معانيها ، وذلك لكي أحقق بذلك هدفين :

​الأول : إضافة معلومات جديدة يستطيع القارىء أن يعتمدها من جملة حصائله ؛ لأنها قد أخذت من المصادر اللغوية الأصلية .

​الثاني : لكي يستطيع القارىء أن يفهم سياق العبارة الواردة فيها تلك الكلمات . وبذلك يعرف الغرض الذي سيقت تلك العبارة من أجله .

​أما بالنسبة إلى البيان فهو كل ما يمكن أن يظهر لمن يقرأ الدعاء ، ولكن بعد التأمل ، وهو النظرة الشاملة للعبارة ، وما يمكن أن يستوحيه الإنسان من ذلك ؛ لأن كلامه « عليه السلام » في حاجة إلى تأمل ، وتروٍّ لمعرفة القرائن التي تهدي إلى المعنى السامي .

​وقد وضعت أمامي كثيراً من الإعتبارات التي جعلتها دافعاً وأمراً مشجعاً على هذه المحاولة منها :

​١ - محاولة فهم المعنى المقصود من فقرات الدعاء ، واستخراج الصورة التي تتناسب في مثل ذلك الموقف العظيم .

​٢ - إيجاد فائدة للقارىء عندما يقرأ ما جاء في الشرح مربوطاً بالنص المقصود من بين فقرات الدعاء .

​وبعبارة أخرى : أن هذا الشرح أردته أن يكون رابطاً بين الله والإنسان ؛ لأنه قد جاء فيه كثير من المعارف الإلهية التي تشدّ الإنسان بربه شداً وثيقاً لكي يسمو بذلك إلى أسمى درجات الإنسانية ، ويصل إلى أعلى مراقي الكمال في الدنيا والآخرة .

​ولقد اعتمدت في شرح هذا الدعاء على النسخة الموجودة في آخر الجزء الثاني من كتاب ( سداد العباد ورشاد العباد ) لجمال الملة الشيخ حسين آل عصفور ، والتي نقلها في ذيله جناب الأجل سماحة العلامة السيد جواد الوداعي حفظه الله تعالى نقلاً عن كتاب الإقبال للسيد رضي الدين بن طاووس الحلي رحمه الله ؛ لأنها في نظري هي أصح النسخ المنقولة عن ذلك المصدر .

​ولقد قابلتها بنسخة المصدر المذكور ، فوجدتها مطابقة تماماً . اللّهم إلاّ في النواحي الفنية ، كالفواصل ، والنقط ، وبداية الفقرات وهذا ما امتاز به الفرع عن الأصل .

​أسأل الله العون على هذه المهمة ، والتوفيق والقبول ، إنه خير مسؤول ، وخير مأمول ، وصلّى الله على محمد وآله .

​١٢ جمادي الثانية ١٤٠٨ هـ                  عباس أحمد الرّيِّس الدرازي


مقالات مشابهة