المقدمة الأولى لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة
![]() |
| كتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة |
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين وآله الميامين وبعد :
فقد راودتني فكرة الشرح لهذا الدعاء الشريف قبل بضع سنين ، ولا زلت أتقدم مرة وأتأخر أخرى ، وذلك لأسباب ليس من اللازم أن أتعرض إليها بعد أن منّ الله عليّ بالتوفيق لذلك .
إلاّ أن جانب الخير لا بد وأن يغلب وذلك عندما توكل الأمور إليه سبحانه ، فإنه يختار لعبده ما هو الأصلح . وإن من جملة الدوافع التي شجعتني على الشروع في هذا الشرح هو المداومة على حج بيت الله الحرام قرابة الثلاث عشرة سنة متوالية ، والحج يفتح للنفس أبواباً من الخير متعددة .
أما هذا الدعاء بالذات فله صفة خاصة في حياة الناسك في تلك الديار المقدسة ؛ لأن الموقف في ذلك اليوم له طابع خاص يفرضه وضع الإنسان المسلم الذي تمحض للعبادة ، ووطن نفسه على الإمتناع عن زينة الدنيا ولذاتها وكل ما أحله الله له في الحل .
وإذا قدر للإنسان أن يفهم حياته ، وما يجب عليه في دينه ودنياه ، فليس عليه إلاّ أن يحضر ذلك المحضر الذي يتلى فيه هذا الدعاء الذي جمع أشكالاً شتّى من التضرع والخشوع ، ويتلي غيره أيضاً ، لكي ينصهر في مثل ذلك الوضع الذي كساه الله رهبة ورغبة .
أما الرهبة فلأن الإنسان المسلم الذي يقوم بتأدية الشعائر المطلوبة ، يرى بأم عينيه ذلك الجمع ، وهو كالفراش المبثوث في زي واحد في حركة واحدة ، في وقت واحد ، ففي مثل هذا الوضع الذي تعج فيه إلى الله الأصوات بصنوف اللغات ، وتغاير اللهجات تأخذ الإنسان رهبة ذلك الموقف .
فهم بين متضرع يطلب من الله المغفرة والخير ، وخاشع يسأل ربه تعويض ذلك النصب في الوقوف والسير .
وأما الرغبة فإن الناسك بأعماله تلك لا شك وأنه يرغب فيما عند الله تعالى من الثواب - كما وعد به المتقين - وهو لا يخلف وعده .
وإن هذا الكتاب محاولة لشرح الدعاء المأثور عن أبي عبد الله الحسين « عليه السلام » كما ذكرت ـ ولقد سلكت في شرحه طريقاً واضحاً لا عوج فيه ، جرياً على عادة من تطرق إلى شرح بعض كلامهم سلام الله عليهم ، مع اختلاف يسير أرجو ألا يفوت القارىء ، عند تأملاته لأبحاث الكتاب المتلاحقة .
لكن ذلك ليس في كل المواطن ، فإني قد حاولت توضيح المعنى لكن ليس في تهجينه . كما حاولت جهدي بالربط بين المعنى المطروح ، وبين النص المشروح .
ولقد حاولت أن يكون الكتاب جامعاً شاملاً ، ولقد كنت أستنطق كل كلمة من كلمات الحسين « عليه السلام » في ذلك المحشر . ولما كان الدعاء يحتوي على كلمات بعيدة عن أفهام الكثير من الناس ، حاولت التوسع في شرح معانيها ، وذلك لكي أحقق بذلك هدفين :
الأول : إضافة معلومات جديدة يستطيع القارىء أن يعتمدها من جملة حصائله ؛ لأنها قد أخذت من المصادر اللغوية الأصلية .
الثاني : لكي يستطيع القارىء أن يفهم سياق العبارة الواردة فيها تلك الكلمات . وبذلك يعرف الغرض الذي سيقت تلك العبارة من أجله .
أما بالنسبة إلى البيان فهو كل ما يمكن أن يظهر لمن يقرأ الدعاء ، ولكن بعد التأمل ، وهو النظرة الشاملة للعبارة ، وما يمكن أن يستوحيه الإنسان من ذلك ؛ لأن كلامه « عليه السلام » في حاجة إلى تأمل ، وتروٍّ لمعرفة القرائن التي تهدي إلى المعنى السامي .
وقد وضعت أمامي كثيراً من الإعتبارات التي جعلتها دافعاً وأمراً مشجعاً على هذه المحاولة منها :
١ - محاولة فهم المعنى المقصود من فقرات الدعاء ، واستخراج الصورة التي تتناسب في مثل ذلك الموقف العظيم .
٢ - إيجاد فائدة للقارىء عندما يقرأ ما جاء في الشرح مربوطاً بالنص المقصود من بين فقرات الدعاء .
وبعبارة أخرى : أن هذا الشرح أردته أن يكون رابطاً بين الله والإنسان ؛ لأنه قد جاء فيه كثير من المعارف الإلهية التي تشدّ الإنسان بربه شداً وثيقاً لكي يسمو بذلك إلى أسمى درجات الإنسانية ، ويصل إلى أعلى مراقي الكمال في الدنيا والآخرة .
ولقد اعتمدت في شرح هذا الدعاء على النسخة الموجودة في آخر الجزء الثاني من كتاب ( سداد العباد ورشاد العباد ) لجمال الملة الشيخ حسين آل عصفور ، والتي نقلها في ذيله جناب الأجل سماحة العلامة السيد جواد الوداعي حفظه الله تعالى نقلاً عن كتاب الإقبال للسيد رضي الدين بن طاووس الحلي رحمه الله ؛ لأنها في نظري هي أصح النسخ المنقولة عن ذلك المصدر .
ولقد قابلتها بنسخة المصدر المذكور ، فوجدتها مطابقة تماماً . اللّهم إلاّ في النواحي الفنية ، كالفواصل ، والنقط ، وبداية الفقرات وهذا ما امتاز به الفرع عن الأصل .
أسأل الله العون على هذه المهمة ، والتوفيق والقبول ، إنه خير مسؤول ، وخير مأمول ، وصلّى الله على محمد وآله .
١٢ جمادي الثانية ١٤٠٨ هـ عباس أحمد الرّيِّس الدرازي
