المقدمة الثانية لكتاب اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة

أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة 



 

توضح هذه المقدمة المعالم الجغرافية لعرفات، وما يبعثه هذا المكان المقدس من رهبة وخشوع في نفوس الحجاج ليرتقي بأرواحهم. ويستعرض الكاتب حدود المنطقة جغرافيا وشرعيا، موضحا المعاني اللغوية وأسباب التسمية بناء على المعاجم والروايات التاريخية. كما يبين أهمية الوقوف بعرفة كأول واجبات الحج وأساسه، مبرزا الفوائد الروحية والاجتماعية لهذا التجمع الإسلامي الكبير. ويختم بذكر آداب الخروج من عرفة والأدعية المستحبة، مؤكدا على قدسية هذا الموقف ودوره العظيم في تطهير النفس والتقرب إلى الله.


المقدمة الثانية

في جغرافية عرفة

​جوٌّ يشعر بالرهبة، وأرض أحاطت بها الجبال من الجهات الأربع، أو ما يقرب من ذلك، فهناك فجوات يراها الرائي بين جبل وآخر، هيأه بارؤه لكي يجتمع فيه عباده على هيئة واحدة؛ ليؤدوا في يومه أعظم الشعائر العبادية، ويعتلق به ذلك اليوم أشد من اعتلاق سواد العين ببياضها.

​جبال شاهقة وأرض منبسطة لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، يطمئن فيها قلب الناسك عندما تحتضنه كما تحتضن الأم وليدها. ويتمنى في ذلك اليوم على ربه بمختلف المسائل، كما يسأل الوليد أمه ويتمنى عليها.

​وتأخذ الإنسان في ذلك الجو الذي ملىء من جميع جهاته موجة تشده إلى الملأ الأعلى، فيفارق الأرض، ونفايات المادة العفنة إلى ملأ أسمى، بفعل انصهاره في الطاعة بإخلاص.

​تلك هي أرض عرفات ـ كما سماها القرآن والسنة والناس معاً ـ التي يجتمع فيها الحجاج في اليوم التاسع من ذي الحجة من كل عام من الزوال إلى الغروب.

​وهي أرض كما رآها الكثير أرض منبسطة محدودة بحدود معروفة شرعية، وجغرافية.

​قال أبو الوليد الأزرقي في أخبار مكة (1): قال ابن عباس حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرفة، وهو ما بين العلمين اللذين هما حد عرفة، والعلمين اللذين هما حد الحرم إلى جبال عرفة إلى الوصيق (وهو موضع أعلاه لكنانة، وأسفله لهذيل) إلى ملتقى الوصيق إلى وادي عرفة قال: وموقف النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عشية عرفة بين الأجبل النبعة، والنبيعة، والنابت (النبعة والنبيعة، وذات النابت ـ كما ذكره ياقوت في المعجم) ويسمى هذا الموقف الآل، وهو الذي يعرف اليوم (بجبل الرحمة) وهو جبل نابت مضرس بين أحجار هنالك ناتئة في الجبل الذي يعرف بهذا الإسم بعرفة عن يسار الطريق للذاهب إلى الطائف (المدينة المعروفة).

​قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: عرفات بالتحريك هو واحد في لفظ الجمع. وقال الأخفش: إنما صرف لأن التاء صارت بمنزلة الياء والواو في مسلمين؛ لأنه تذكيره وصار التنوين بمنزلة النون فلما سمي به ترك على حاله.

​وقال الفراء: عرفات لا واحد لها بصحة، وقول الناس اليوم يوم عرفة مولد ليس بعربي محض. والذي يدل على ما قاله الفراء أن عرفة، وعرفات إسم لموضع واحد، ولو كان جمعاً لم يكن لمسمى واحد، ويحسن أن يُقال: إن كل موضع منها يسمى عرفة، ثم جمع ولم يتنكر لما قلنا إنها متقاربة مجتمعة فكأنها مع الجمع شيء واحد.

​وعرفة حدها من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة، وقرية عرفة موصل النخل بين ذلك بميلين.

​قيل في سبب تسميتها أن جبرائيل «عليه السلام» عرّف إبراهيم «عليه السلام» المناسك، فلما وقفه بعرفة قال له: عرفت؟ قال: نعم. فسميت عرفة.

​ويقال بل سميت بذلك؛ لأن آدم وحواء تعارفا بها بعد نزولهما من الجنة، ويُقال: أن الناس يعترفون بذنوبهم في ذلك الموقف، وقيل: بل سمي بالصبر على ما يكابدون في الوصول إليها؛ لأن العرف الصبر.

​وقال ابن عباس: حد عرفة من الجبل المشرق على بطن عرنه إلى جبالها، إلى قصر آل مالك، ووادي عرفة والموقف منها على صيحة عند جبل متلاطيء.

​وأما ما جاء عن أهل البيت «عليهم السلام» فإن عرفة حدها من عرنة، وثوية، ونمرة إلى ذي المجاز. ففي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: حد عرفة من بطن عرنة، وثوية، ونمرة، إلى ذي المجاز وخلف الجبل موقف. وجاء عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: أصحاب الأراك لا حج لهم، ومقتضى ذلك إن الحدود لعرفة أربعة، وباعتبار آخر إنها خمسة، وذلك بضم نمرة إلى عرفة. ويمكن القول: بأن عرفة إسم للزمان، فنقول يوم عرفة، وعرفات إسم للمكان فنقول: أرض عرفات، ولكن الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» لم تفرق بين هذا وذاك كالرواية السابقة، وغيرها. مما ورد في تحديد أرض عرفات.

​والوقوف بعرفات هو أول واجبات الحج؛ ولهذا فإن هذا الموقف يعتبر بداية أعمال الناسك، إذا لم يأت بعمرة التمتع. ثم تأتي الأعمال بعده مرتبة متسلسلة، وقد أتاح البارىء هذه الفرصة للعبد، فجعل القدر المجزي منه من الموقف هو الكون في المحل، ولكنه منع من الخروج من عرفات حتى تغرب الشمس من ليلة النحر، وما ذلك إلاّ مراعاة منه «سبحانه» لفائدة العبد، ولكي يستدرك ما فاته، ويستغفر من الذنوب التي فرطت منه. وبذلك يخرج من موقف عرفة، وهو في حالة استعداد نفسي لاستقبال بقية الأعمال.

​على أن الحج إذا قلنا بأنه مهرجان إسلامي يستفيد منه المسلمون في إجتماعاتهم، والتعارف مع بعضهم البعض ومحاولة الإستفادة من هذا التجمع الإسلامي الكبير للتعرف على المشاكل الآنية وما يستجد منها على مسرح الحياة ذات التطور السريع. فإن هذا قدر كاف في لمس الفوائد العامة للإسلام والخاصة للمسلمين، وبذلك يتضح ما قالته الزهراء «عليها السلام» في خطبتها الشهيرة: «والحج تشييداً للدين»؛ بهذا فقد ركز الشارع المقدس على هذا الموقف بكثرة الأدعية، والأذكار من أول ليلة عرفة إلى نهاية يومها، بل وحتى بعد خروجه منها.

​فقد جاء أنه إذا أفاض الحاج من عرفات بعد تحقق الغروب ذاهباً إلى المشعر يدعو بالمأثور، ويسأل من الله العتق من النار مكثراً من الإستغفار، للآية والأخبار، وعليه السكينة والوقار، فإذا بلغ الكثيب الأحمر عن يمين الطريق قال ما رواه معاوية بن عمار صحيحاً عن الصادق: (اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ديني، وتقبل مناسكي) ويضيف إليه أيضاً (اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه أبداً ما أبقيتني واقلبني اليوم مفلحاً منجحاً مستجاباً لي مرحوماً مغفوراً لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من وفدك، وحجاج بيتك الحرام، واجعلني اليوم من أكرم وفدك عليك، واعطني أفضل ما أعطيت أحداً منهم من الخير، والبركة، والرحمة، والرضوان، والمغفرة، وبارك لي فيما أرجع إليه من أهل، أو مال، أو قليل، أو كثير، وبارك لهم فيّ).

​والكثيب الأحمر هذا واقع عن يمين الطريق لمن أفاض من عرفات.

​وهذا كافٍ في الدلالة على أهمية ذلك الموقف من بدايته إلى نهايته، وكاف أيضاً في الدلالة على قداسة أوقاته بل وما بعدها؛ فإن الله قد أراد للإنسان أن ينشدَّ إليه في هذه الفترات الغالية أنشداداً قوياً؛ لإستقبال بقية الأعمال.

​أسأل الله أن يوفقنا لمراضيه إنه سميع الدعاء، وصلّى الله على محمد وآله.

​البحرين ـ الدراز                             عباس أحمد الريس الدرازي


مقالات مشابهة