القريب النائي
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قصيدة "القريب النائي" هي مناجاة وجدانية عميقة للإمام المهدي المنتظر، يستكمل فيها الشاعر مشاعر لوعة الانتظار الممزوجة باليقين بحضوره الروحي رغم غيابه الجسدي. يتساءل الشاعر بشوق عن أماكن استقرار الإمام، متخبطاً بين المشاهد المقدسة كطيبة ومكة والغري، ويشكو له تردي الأوضاع وضبابية الرؤية وتكالب الفتن (مشيراً إلى خروج الدجال وأتباعه)، مستنهضاً إياه بلهفة ليشهر سيفه العلوي، ليكون بلسماً لجراحات الأمة ومخلصاً لها من التيه والظمأ، في نسيج شعري يفيض بالعاطفة الدينية الصادقة.
عجِّلْ فديتك من قريبٍ ناءٍ وانهض قد أستعصى علاجُ الداءِ
يا ابنَ الزكيِّ ولمْ تزلْ انشودةً تجري على الدنيا كجري الماءِ
حيّيتَ يا أملَ النفوسِ وريَّها ونعيمَها بل سيِّدَ الاحياءِ
في كلِّ عامٍ نشوةٌ لنفوسِنا تجلو الصدى عنها بومضِ سناءِ
لم ندرِ هذا الفجرَ هل فجرٌ بدا متطايراً نوراً لضوءِ ذُكاءِ
امْ نورُ وجهك اذ تجلّى مُعلناً أنْ سوفَ تُجلى لجّةُ الظلماءِ
بلْ نورُ ربِّ العالمينَ وانّما يبدو ببُردةِ هيكلٍ للرائي
يرتدُّ طرفُ المرءِ من ومضِ الضيا اذ لا يراه بمقلةٍ عمياءِ
يا كوكبَ الصبحِ الذي شعّتْ له جنباتُ هذا الكونِ باللألاءِ
أنت الحقيقةُ والحقيقةُ نورها لا يختفي يوماً بأيِّ غطاءِ
بلْ بدرُ تمٍّ مزَّقَ الليلَ الذي ظلمـاتُهُ عمَّـت على الارجـاءِ
بل شمسُ مجدٍ للانامِ ونورُها عبر القـلوب وسـائر الاحشـاءِ
بل أنت مـاءُ المـزنِ فيـه حياتُنـا والنـاسُ لا تحـيـا بـغيـر المـاءِ
بل أنت روحٌ للأنـام وإنمـا روح الحيـاة تـدبُّ فـي الاحيـاءِ
بوركت من فـجرٍ تفجَّر نبـعهُ عـن رحمـة عمّـت على الارجاءِ
فاسمعْ عجيباً والعجـائب جمـةٌ والامـر مـعقولٌ بـغيرِ مـراءِ
شمسُ الضحى ولدتـهُ بدراً ساطعاً فأضـاءَ ليـلـتَهُ بسـامراءِ
لا تحسبنَّ النـور من قمـر السمـا لمّـا بـدا فـي لـيـلـةٍ قـمراءِ
بـلْ ذاك مـن نـورِ الامامةِ ومضةٌ كسـيَتْ بـهِ الدنيـا واي كسـاءِ
بـل ذاك نـور الله جـلَّ جـلاله والنـور لم تُنْكِـرْهُ عـينُ الرائـي
هـو نـورُ قائِمِ آلِ بـيتِ المصطفى يـادوحةَ الاسـلامِ الفَ هنـاءِ
يـابن الزكـي الم يحن يومٌ نرى فيـه خيـالك تـحت خـفقِ لواءِ
أيـن المـغلّبـةُ التـي أهـتزت لهـا أقدامـهـم فـي حـومةِ الهيجاءِ
أيـن الملائكـةُ الذيـن وعـدتهـم للنصرِ يـابن السـادةِ النجبـاءِ
أيـن الابـاة المـؤمنون ومـن بهـم يحيـا الهـدى في عـزةٍ وابـاءِ
فانهض فإن الامـر صـار كمـا تـرى مـتقدِّمٌ يـمشـي بـقصـدِ وراءِ
فكأننـا والامـر فـوضى بيـننا مثـل الهشيـم بعـاصفٍ هوجـاءِ
فـاسمعْ أبـثك والشـجونُ كـثيرةٌ والنفـس فـي تـعبٍ وفي اعيـاءِ
مُـلِئَ الدنـان ففـاض خـمرُ مآثم والائـم داء يـا لـه مـن داءِ
يـا صاحب السيف الصقيل وومضه بـرقٌ يـقطّع لجـة الظلمـاءِ
قسـماً بمخـذمك الذي قـد صاغه رب العبـاد لفـارس الهيجـاءِ
وبـجدك الكـرار حـامل سـيفك الــفتّاك يـفري الهـام فـي الاعـداءِ
وبكـل ضربـةِ ضـيغمٍ مـن كفّهِ وبكـل طـعنةِ فـارسٍ نـجلاءِ
لولا دعـاؤك للانـامِ بـحفظهم لَرمـتهُمُ الاجـواء بـالحصباءِ
يـاليت شعـري أيـن كنـت مرابطاً بـالرقمتين تكـون أم بـحراءِ
أم أنـت فـي سهـل تـروح وتـغتدي أم أنـت فـوق القبـةِ الشمّـاءِ
أم فـي نـواحـي مكـةٍ وبمـكة حـرمٌ سمـا بـالكعبة الغـراءِ
أم عـند جـدك أحمـدٍ فـي طيبةٍ فـي البيـت أم فـي روضـةِ الزهـراءِ
أم بـالغريِّ وحـيدر فـي تـربِهِ أم عـند جـدك سـيد الشـهداءِ
فـي أي وادٍ أنـت يـابن مـحمد تـأوي وأنـت الكـهف فـي الايـواءِ
قـد غبـتَ عنـا مثـل ما غاب الحيـا متأخراً عـن نـبتـةٍ جـرداءِ
والأرض لا تحيـا بـلا غـيثِ السـما والأرضُ نـحن وأنـت غـيـثُ سمـاءِ
قـطعـت بنـو العبـاس فيـك بـفعلهـم أرحـامهـم وأتـوا بكـلّ عـداءِ
وتـتبعوكـم فـي البـلاد فلـم يـدم مـن مـلكهم الّا كقطـرة مـاءِ
لكنهـا جـفت بـلفح هـواجـرٍ وتـبخّرت كـتبخّـر الانـداءِ
واذا ذوو القـربى أتـوا بـقطيعة وتـعـاملوا فـي قسـوةٍ وجفـاءِ
بُتـرت بهـا أعمـارهم وتشـتتت آراؤهـم فـي ذلـةٍ وهـواءِ
يـابن الحسـينِ وفـي يـديك مهنـد يـحدو بـه الحـادي وأيّ حـداءِ
ومـن الخـيول لديـك كـل مطهَّـمٍ نـاجـاكَ حـين صـهيلِـهِ بـنداءِ
قـم للكـريهةِ إن كـل عصيبـة هيهـات أن تـجلى بـغيـر دمـاءِ
أتـقول صبـراً والصبـور تـقطعـت أحشـاؤه فـي صـدره بـبلاءِ
بتنـا سكـارى بـالخطوب ولـم نـزل أسمـاعنـا تـصطكُّ بـالضوضاءِ
حـاشـاك أن تـرضى وقلـبُك مكمـدٌ والنفـس مـنك تـعجُّ بـالارزاءِ
يـا مـهجـةَ الهـادي وبضعـةَ فـاطمٍ وسـليـلَ تـلك السـادةِ الامنـاءِ
عجِّلْ فدتك النفس ان جراحنا نُكِئَتْ وسيفك بلسمٌ للداءِ
فالأعور الدجّال ألّب جيشه ودعا الانام لفكرةٍ حمقاءِ
نجترُّ أنفاساً كهيمٍ بالظما من بعد خمسٍ لم تذق مِن ماءِ
يـا حـامي الاسـلام وابـن حـماتـه عـطفاً بنـا يـابـاني العليـاءِ
ماضرّ حلمك لو غضبت وهل ترى غضب الحليم يضرّ بالحلماءِ
هـا نـحن ننـتظر الجـواب فـلم نـزلْ فـي حيـرةٍ بـالدمعـةِ الخرسـاءِ
