شمسان في ليل

الشيخ عباس الريس 

بين غرضي المديح الديني والنقد الاجتماعي والسياسي؛ حيث يستهل الشاعر نصه بتوظيف المعجم الوصفي والرمزي للاحتفاء بذكرى المولد النبوي للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومولد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وعبر انتقال موضوعي حاد، يتحول المسار الدلالي للقصيدة نحو رثاء الواقع المعاصر، مقدماً قراءة نقدية لحالة التشظي والتراجع التي تعيشها المجتمعات، مع الإشارة المباشرة إلى التداعيات الجيوسياسية وفقدان الأراضي كمأساة القدس. يعكس هذا البناء النصي توظيفاً للحدث التاريخي والديني كمرجعية معيارية لقياس أزمات الحاضر، لتشكّل القصيدة بذلك دراسة أدبية ترصد التناقض الحاد بين الأبعاد القيمية للتاريخ والواقع المأزوم للراهن.


من بطن مكة شع نور محمد    فاضاءت الدنيا بنور المولد

والروض في شكر يفوح به الشذى    والغصن مال وصفق الورد الندي

وتمايلت في الروض كل خميلة    ومن الموائس كل غصن أملد

وتبسمت شفة الزمان واصبحت    ام القرى في يوم عيد أسعد

وتقاصر الليل البهيم كأنما    ذاك الصباح مع الوليد بموعد

​وتهادت الافراح في جنباتها    حور الجنان ببهجة وتودد

وتباشرت زمر الملائك في السما    ما بين ركع للاله وسجد

وحدا بذكر محمد هادي السرى    فبنوره تسرى الحداة وتهتدي

وترددت في البيد نغمة صادح    قد جاء بالتوحيد خير موحد

هذا محمد وهو خيرة ربه    من خلقه طرا واكرم سيد

​سبحانك اللهم إذ أكرمتنا    من دون خلقك بالنبي محمد

من أجله خلق الزمان لأنه    ذكر يتيه على الزمان الابعد

ياصاحب المجد الأثيل ومن به    يسمو ويفخر كل فذ أمجد

(يا خير من جاء الوجود تحية)    وسلام صب ملهم يا سيدي

في يوم مولدك المبارك فرحة    بل فرحتان وجاءتا في موعد

شمسان في ليل تسابقتا معاً    وطلوع شمس في الدجى لم نعهد

فمحمد وهو الذي شرفت به    كل الانام وجعفر بن محمد

ولدا بيوم واحد يا نشوتي    زيدي وبين الفرحتين ترددي

فمحمد قد جاء وهو مؤسس    وحفيده قد جاء خير مجدد

نفسي فداه يقيم ملة جده    ويعيدها بالعلم لا بمهند

ويعبد الدرب الذي سارت به    زمر الانام وكان غير معبد

ويمهد الدنيا لأسعد أمة    فهو الذي لولاه لم تتمهد

يبني وينشيء أنفساً لبني الهدى    ويشيد حكماً كان غير مشيد

ويعيد مجد محمد ووصيه    بجهاده ويرد كيد المعتدي

​مثل بمثل محمد ووصيه    وحفيده وبنيهما في المشهد

فالمجد مجدهم ومجد محبهم    فبغير هديهم الورى لا تهتدي

لولاهم لم يعبد الباري ولم    تخضع بنو حوا له او تسجد

فإن اقتديت بهم - وذلك لازم -    فبأحمد - لو كنت تعلم - تقتدي

فمحمد أصل وتلك فروعه    والفرع يتبع اصله في المحتد

​يايوم أحمد في الخلود وجعفر    لولاهما لذهبت غير مخلد

تمضي كما مضت السنون بأمسها    والمرء يذكر يوم أمس في غد

أنى وذكرك للملائك في السما    ورد فبين تبتل وتهجد

سجدت لآدم وهي تعلم أنها    لولا النبي لآدم لم تسجد

سجدت لنور محمد في آدم    ولنور جعفر مودعاً في أحمد

وتلاقيا نوراً مضيئاً واحداً    وأتى بيوم في الوجود موحد

ليريك بالتوحيد حكمة خالق    وينير منهاجاً لكل موحد

ويخط درب السالكين بومضة    ويبدد الظلمات اي تبدد

​عفواً رسول الله إن همست على    قلبي بتاريخ بيوم المولد

وبكيت يوم العيد من جزع لما    نلقاه من دهر يروح ويغتدي

وذكرت أعباءً ثقالاً لم تدع    من مسكة لقلوبنا وتجلد

لم تبك عيني للعقيق وأهله    او للغميم ومن ببرقة ثهمد

او للألى بانوا وزموا رحلهم    او للدوارس في الحجون الهمد

لكنما أبكي واندب أمة    وجدت ولكن ليتها لم توجد

أبكي لأمة احمد من بعده    شقيت وقد سعدت بحظ أنكد

لم تبق غير فتيلة من شعلة    من دينها وتقول للنار اخمدي

لتسير في قطع الظلام ولم تزل    تهوي هوياً في الحضيض الاوهد

لزمت زمام الحق ثم رمت به    بعداً لنابذ حقه بتعمد

وتخبطت عشواء في ظلم الهوى    ومشت على منهاج كل معربد

واذا السفين سرت بدون موجه    كيف الخلاص لها ببحر مزبد

​ياباني الاسلام صرحاً شامخاً    لبني الانام ودين حق سرمدي

قم وارمق الدين الذي من اجله    امضيت عمرك مثل ليل أسود

لعبت به الاهواء فهو كما ترى    في حالة المضنى ودور المجهد

وتقاسمته يد الانام بقسمة    ضيزى ، فيانار الفؤاد توقدي

ابناؤه من عوسج لا يلتقي    شخص بآخر منهم في مورد

سلبتهم الاعداء أعلى بقعة    وتوعدت بالشر أي توعد

سلبت حقوق اولي الحقوق وانما    هي تستعاد بكل شيء أصيد

(لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى)    الا بسيل من لظى متوقد

​عشرون عاماً قد مضت وتصرمت    وتزيد خمساً - صاح - فانقض أو زد

حنت لنا مثل الفصيل لأمه    فاجابها بعض بقلب مكمد

ماذا أفيدك والكلام محرم    لمّا أجد عوناً وقد شُلت يدي

واجابها بعض بغمز حواجب    وأجاب بعض يا خدود توردي

ودعي اليهود هناك تعمل ما تشا    وتنصري ياقدس أو فتهودي

فلنغزونهم بجيش خنافس    وبكل غانية وقد أملد

ولننشئن مسارحاً لبني الهوى    ليذوب قلب العاشق المتبلد

أوقام سرب القاذفات قنابلاً    قلنا لذات الرقص قومي واقعدي

​يادهـر طال الليل هل من ضحوة    فيها نؤمل راحة لمسهد

يرعى نجوم الافق وهي بعيدة    ويعدها عداً بطرف أرمد

يُحيي الليالي لا بفضل صلاتها    والفكر بين مصوب ومصعد

فمتى نرى ليل النوائب مدبراً    ونقول يا كتل الظلام تبددي

وتسود ملة أحمد في قومه    ونكون نحن أولي النهى والسؤدد



 

مقالات مشابهة