وانشق ظهر البيت

الشيخ عباس الريس 


 تُصنّف قصيدة "وانشق ظهر البيت" المؤرخة في 8 رجب 1393هـ، نصاً شعرياً كلاسيكياً يزاوج ببراعة بين المديح الولائي والنقد الاجتماعي والإصلاحي. تستهل القصيدة أبياتها باستحضار المعجزة التاريخية لولادة الإمام علي بن أبي طالب داخل الكعبة المشرفة، موظفةً التناص الديني والمقاربات الرمزية (كمقارنة ولادته الآمنة بقصة النبي موسى) لإبراز العناية الإلهية والمكانة الروحية الاستثنائية للممدوح كدرع حصين للدين ومناصر للنبي المصطفى. وفي انتقال موضوعي حاد يعكس وعي الشاعر بقضايا عصره، تتخذ القصيدة من هذه المرجعية التاريخية المضيئة منطلقاً لنقد الواقع المعاصر المأزوم؛ حيث يوجه الشاعر في مقاطعها الأخيرة نقداً لاذعاً لمظاهر الانحلال الأخلاقي، والتجاهر بشرب الخمر، وانحراف الصحافة وإشاعتها للفوضى، مستنكراً بشدة محاولات العَلمنة التي تسعى لحصر الدين في طقوس تعبدية شكلية وتجريده من فاعليته المجتمعية، لتشكل القصيدة بذلك رسالة أدبية وفكرية تدعو إلى التمسك بالأصالة ومواجهة الانحرافات المعاصرة.


سجعت لك الورقا ومثلك يسمع ولمثل ما تصبو العصى لا تقرع

حامت على الوادى وحطت بالحمى والورق يأنس بالغصون فيسجع

واستوطنت دوما بجانب مكة وبمكة يأوي المخوف فيمنع

حرم حماه الله من طمع العدى من قوم ابرهة غداة تجمعوا

قدست من حرم تقادم عهده وله الورى عند الشدائد تفزع

تمضى ليالينا ونورك مشرق فبكل حين شمس قدسك تطلع

يهوى جوازك قلب كل موحد فى حب حيدرة يذوب ويطبع

فالكعبة الغراء مسقط رأسه وبحُبّه فى الحشر فرضك ينفع

فبه تشرفت الحطيم وزمزم والحجر والحجر الكريم الأنصع

وتباشرت ام القرى بوليدها وغدت باثواب الهنا تتلفع

​جاءت به بنت الاسود وقد بدت حيرى تضج لربها .. تتضرع

قد ضامها الم المخاض فلم تجد الا (البنية) فهي فيها المفزع

يابنت ذى اللبد المصون عرينه وقرينة الأسد الذى لا يجزع

لو قد علمت بفضل حملك فى الورى وبأن شبلك شافع ومشفع

لدعوت ربك بالجنين وفضله فبفضله يعطي الاله ويمنع

وبه يثاب المرء فى اعماله ميزان حكم لا يحيف وينزع

ولكم دعته الأنبياء لشدة فبذكر حيدرة الشدائد تدفع

فلكم جلا كربا بوجه محمد كالسحب من زجر الرياح تقشع

ندعو به الثكلى فيسكن قلبها فلحيدر فى كل قلب موضع

​وانشق ظهر البيت ترحيبا بها والشق من شوق غدا يتوسع

فكأن صارم حيدر قد قده وكأنما عمرو هنالك يصرع

وبدت عليها دهشة وتصعدت أنفاسها جزعا وسالت أدمع

لكنها ولجت وأمسى أمرها بين البرية وهو سر مودع

وتلقت الاملاك ضيفا طارئا ولخدمة الضيف الجليل تطوعوا

جاءت وفود الله وهي كثيرة فالحور تذهب للجنان وترجع

حسدت نجوم الافق حصباء الثرى لكنما حسد الهوى لا يمنع

فسجود حيدر فى التراب لربه حين الولادة لهو قدر أرفع

لا غرو أن خفقت غصون المنتهى وبدت تميس كغادة تتمنع

فالكون فى طرب لمولد حيدر والحب يفعل مايشاء ويصنع

​بين الكليم وحيدر قارن تجد فرقا فموسى غب نهر يودع

الفته فى اليم المعربد أمه والقلب من جزع له يتوجع

خافت عليه فلم تجد من ملجأ والله تدعوه العباد فيسمع

ألقي الرضيع لكي يراه عدوه سيعيده رغما وانت المرضع

حتى أعيد لها ولكن بعدما خافت عليه وليلها لا تهجع

وبكعبة الرحمن حيدر امه فى راحة مع طفلها تستمتع

طوراً تلاعبه وترشف ثغره وتضمه فرحا وطورا ترضع

كرم الاله لآل بيت محمد جم فلا يحصى ولا يُستجمع

ماذا تكيل من المديح لسيد فى مدحه الذكر الحكيم يرجع

​أأبا الحسين وأنت نفس محمد وكلاكما بالعرش نور يسطع

قبل الوجود وجدتما فى عالم عن كل أسباب النهى يترفع

وولدت فى البيت الحرام لكي نرى للدين شملا فى ولائك يجمع

ولدتك امك عند أقدس بقعة وتحقق الامر الذى يتوقع

حققت آمال النبوة عندما حققت نصرا أين منه يوشع

فلقد خلقت لكى تكون لأحمد درعا به يوم الوغى يتدرع

البحر يحذر صوله من جزره لكن بطش المد بطش أفظع

​قف خاشعا بين الغري ومكة فلمثل حيدر كل قلب يخشع

وترسم الدرب التى واصلتها كي يستبين لك الطريق المهيع

فالدرب خط مستقيم بين (لأُولي البصائر يستشف ويلمع)

فلقد مشى فيها طليع مرشد والركب ليس طليعه من يضلع

حذق تجد فى الموضعين تلازما والوتر فى آثار حيدر يشفع

طوراً يميس كما تميس غزالة ليمثل الأنثى وطوراً يضلع

حسب التقدم من سفاهة رأيه نغماً على شفة الغرام يرجع

نمط عجيب بالبلاد فهل ترى الأكما صنعت ثمود وتبع

​الخمر مشروع يباع ويشترى علناً فماذا بعده لايشرع

كم نشوة للمرء فيها غصة (ما هكذا يا سعد يورد مشرع)

طوراً تعب من المدام بنهمة لا تنثني خوفاً وطوراً تكرع

رقصت لك الدنيا فخلت بأنها كحديقة والبهم فيها ترتع

أذهبت عقلك في الحرام مغامراً عجباً لذاك العقل كيف يضيع

عصفت بنا من دهرنا وفعالنا هُوج من البلوى وريح زعزع

واذا على الانسان جار زمانه فالعيش غب زمانه لا يجرع

​ضجت صحافتنا ضجيج ثواكل وبدت على طرفي نقيض تجمع

وأشاعت الفوضى وكانت تدعي حرية القول التي لا تمنع

وتعمدت افساد كل قضية عن اصل دين محمد تتفرع

الدين محض تعبد وتنسك من بين جدران المساجد ينبع

والعابد المسكين فيه مقيد والدين بين ثيابه يتقوقع

ما هكذا جاءت شريعة أحمد ولمثل ما قالت تسن وتشرع

فزعت لذكر الدين وارتاعت له لا تنثنى خجلاً ولا تتورع

«واستصحبوا فرأوا دوين مرادهم ابناء صدق كل زور تقمع»

واذا تقارعت العقول بموطن فالعقل ليس بغير عقل يقرع


مقالات مشابهة