تأبين الحاج ملّا صادق العصفور الموافق
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قصيدة رثائية عصماء، جادت بها قريحة الشاعر في تأبين الخطيب الحاج ملا صادق العصفور، طافحةً بلواعج الشجو وبرح الفراق، حيث ينفي فيها عن المرثيِّ غائلة الفناء والعدم، منزّهاً إياه عن أن يُدعى فقيداً؛ لبقاء أثره وحياة ذكره. ويشيد النص بمناقبه الغراء، وفي طليعتها خدمته الجليلة لسبط النبيّ على أعواد المنابر، مستذكراً صوته الشجيّ الذي طالما استدرّ المدامع وألهب الأكباد، كما يعرّج الشاعر على شمائله الرفيعة، واصفاً إياه بالطود الأشمّ إزاء عوادي التاريخ، والسيف الصقيل ذوداً عن الحمى، مختتماً أبياته بالاعتذار عن القصور في أداء حقّه، والإشادة بعفته وطهارته، مبشّراً إياه بحُسن المآب في جنان الخلد لقاء ما شيّد من مجد مؤثّل.
أُجلّك أن تدعى فقيداً
ألقيت هذه القصيدة في تأبين الحاج ملّا صادق العصفور الموافق ٢ / ربيع الثاني / ١٤١٠ هـ
خيالُك في عيني وصوتُك في أذني وما كلّ صوتٍ يطربُ السمع باللحنِ
اذا العندليب الحرّ غنّى وصفّقت جناحاه شوقاً للورود على الغصنِ
أقول لمن بالجزع والجزع غاية اطيلي البكا ياجارة الدوح او غنّي
عذرتك اذ تبلين فالدهر كائد وما مقلة تنهلّ الّا من الحزنِ
ولا لوم اذ تبكين في وقع فادح أذاب الحشا وجداً وأسهر للجفنِ
اطيلي البكا او قصريه فإنّما بكاء الفتى في فادح الخطب لايغني
وما كلّ دمع في البكاء موفّق وان سال منهلاً على الخد كالمزنِ
اذا لم يكن حزناً لربّ فضيلة فما الدمع الّا موغل في أذى الجفنِ
عذرتك والأيام تمضي كأنها حبالى بأحداثٍ لوهنٍ على وهنِ
وما كلّ ذي فضلٍ يروق لمادحٍ ولم يُبنَ فضل المرء بالوهم والظنِّ
كأنّ الرزايا قد ألفن أولي النهى فجاءت تقاضي دَينها من ذوي الدّينِ
فيا صادقاً في القول والفعل لم يزل خيالك مهما أغرق الدهر في عيني
لك الله من ثاوٍ وما كنت ميتاً وما كلّ ميّتٍ ذكره مبعث الحزنِ
خدمت الحسين السبط خدمة ناصحٍ فلا غرو أن أصبحت تُخدم في عدنِ
هنيئاً مريئاً في جوار محمدٍ بظلٍّ ظليلٍ وارف الدوح والغصنِ
عهدتُك والأعوادُ ملكك لم تزل تُهيج بها الاحزان في بارع الفنِّ
وتستحلب الآماق دمعاً بعندمٍ وتشعل في الأكباد جمر الاسى المضني
لخطبٍ له العشرُ العقولُ تحيّرت وبرقَعَ هذا الكون ثوبٌ من الدجنِ
أهمّ بأن أرثيك لكنّ مزبري يرد فيلوي الجيد عنك ويستثني
لأنك مربوط بوقعة كربلا ومشتقّها كرب يؤول بالحزنِ
فذكرك مهما أغرق الدهر ذكرها فصوتك فيها اثكل الدهر باللحنِ
عهدتُك قلباً حافظاً تملأ الدنى ولم يبلغ العشرين بين الورى سنّي
اذا المقول الحرّ الأبيّ تردّدت مآثره في الدهر للأنس والجنِّ
وداعبتِ الأحزن قلباً مصدّعاً وأي حشاً لم ينصدع بأذى الحزنِ
فلست بناسٍ منك نغمة صادحٍ كترجيع اوتارٍ تردّد بالشجنِ
فطوراً تهيج القلب والقلب كامنٌ وما كلّ قلبٍ في الحياة بمكتنِ
وطوراً بها تعطي الحشا جمرة الغضا فتلهب نار الحزن في الخوف والأمنِ
تجلّى لك التاريخ كالبحر مزبداً فكنت لدى أمواجه الهوج كالحصنِ
وكنت به سيفاً صقيلاً وأسمراً ولازلت فيه فارس الضرب والطعنِ
فأنت أميرٌ فيه بل أنت قائدٌ تصدّ عداه بالمقوّمة اللدنِ
أجلّك ان تدعى فقيداً مؤبّناً على أن في الاحشاء شيئاً من الغبنِ
ترفّعت حتى طاولت كعبك العلا فمهما ذكرت المجد كنت به المعني
ذهبتَ عفيفاً لم تدنّسك وصمةٌ فأنت جنيت الخير في الخلد اذ تجني
فعفواً أبا نعمان ان لم أقم بما هو الواجب المحتوم نحوك فاعذرني
بنيتَ لك المجد المؤثّل شامخاً فبوركت من فذٍّ لدى المجد اذ تبني
