محمد وحفيده

الشيخ عباس الريس 

تُعد قصيدة "محمد وحفيده" المؤرخة في 12 ربيع الأول 1394هـ، نصاً شعرياً رصيناً ينتمي إلى النمط الكلاسيكي للشعر العربي العمودي، وتنهض بنيتها الموضوعية على المزج الوظيفي بين غرض المديح الديني والمقاربة النقدية الاجتماعية. تستهل القصيدة أبياتها بالاحتفاء المزدوج بذكرى المولد النبوي الشريف ومولد حفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، مستعرضةً التحولات الحضارية والأخلاقية التي أحدثتها الرسالة الإسلامية في انتقال الأمة من ظلمات الجاهلية إلى نور الهدى والتوحيد. وتنتقل القصيدة عبر مقارنة دلالية من استحضار أمجاد الماضي الإسلامي وعزة العقيدة، إلى نقد لاذع لواقع المجتمع المعاصر، حيث يرثي الشاعر تراجع منظومة القيم، مستنكراً بشدة مظاهر التغريب والانسلاخ عن الهوية كإباحة المحرمات، والاختلاط، والتبرج، لتُشكّل القصيدة في جوهرها رسالة إصلاحية وتوجيهية تدعو إلى استعادة الوعي الديني والتمسك بالأصالة الأخلاقية لمواجهة تحديات العصر.

بضياء وجهك لا بضوء ذكاء تجلى غياهب لجة الظلماء

وبغير نهجك لا يقوم مشيد مهما تراءى عاليا للرائي

فهو الخيال وانت كل حقيقة من نور قدسك تنجلي بصفاء

وبدون ذكرك لا يقوم موحد يدعو المهيمن ربه بدعاء

انت النبي محمد وابن الذي أمسى بفضلك سيد البطحاء

فخرت بك الاباء لم تفخر بهم وهمو اولئك أشرف الآباء

نسب تحدر من سلالة سادة فتشرف الآباء بالابناء

فتراه يعلو كلما انحدرت به أم الى ان حل بالجوزاء

بل فوق ذاك فكم تجاوز منزلا يعلو عليها ليلة الاسراء

ويحق للآباء ان تشدو بما قد انجبت من نخبة نجباء

لكنما فخر الفتى بجدوده كالمدح للسوداء بالبيضاء

​قف ايها الحادي بأرض تهامة لا كالوقوف بساحة الدهناء

قف حيث ترتهب القلوب جلالة وتهيم شوقا في مدى الاجواء

واسمع صدى يشدو بذكر محمد بين الجبال الشم والبيداء

ولد النبي المصطفى فتبددت من نوره كتل من الظلماء

جاء البرية هاديا بل منقذا وسعادة من بعد طول شقاء

بل جاء روحا للأنام فكم غدا يهب الحياة لميت الاحياء

ويعد دينا للقيامة باقيا والدين مطبوع بكل بقاء

ويمهد الدنيا لأسعد أمة كانت تعيش بمحنة وبلاء

والناس في الفوضى تفاقم أمرهم فترى النهار كليلة ليلاء

والخوف أصبح من طبيعة معشر حسب الامان كطائر العنقاء

حتى اذا جاءت بشائر أحمد وخبا له في الكون كل ضياء

عمت شآبيب تضيق برحمة وجرت على الدنيا كمجرى الماء

​يا صاحب النور المبين ومن به سيرت كوكبة من اللألاء

واقمت مجدا للبرية شامخا منه استمد المجد كل عطاء

وبنيت حصنا فالزمان واهله تطوى ويبقى في أتم بناء

وانرت للدنيا معالم دربها بكواكب درية الأضواء

لا بل شموس في سماء واحد والشمس لم تحجب بأي غطاء

​خذ من مديح محمد وحفيده فهما ضياء جاء بعد ضياء

يومان في يوم ورب عجيبة جلت بمعناها عن الاطراء

فلأحمد فجر أضاء بمكة من حول تلك الكعبة الغراء

ولجعفر فجر بدا وتبلجت أنواره في ليلة قمراء

وتمازجا فتضاعفا في نقطة هي ملجأ للدين في الضوضاء

نوران يبعث كل نور منهما لبني الهدى في الكون كل رجاء

فلأحمد نور أضاء بطيبة فأضاء منه عالم الاجواء

فهما كشيء واحد لكنه عند التجلي ليس كالأشياء

​نور له ضجت شعاب تهامة وتبسمت من بعد طول بكاء

وتوحدت بعد ازدواج بالهدى والحق يجمع أهله بأخاء

وتألفت تلك القلوب وقد غدت من قبله في قسوة وجفاء

وتعانقت شوقا كفعل متيم وقد استعد لموعد فلقاء

​لله أمرك من بشير منذر الخوف كيف تذيقه برجاء

وتخاطب الدنيا بلهجة صادق لتسير نحو المنهج البناء

تستل من تلك النفوس حقودها من بعد ما نشأت على الشحناء

وبنت على البغضاء مجد حياتها والمجد لا يبنى على البغضاء

حسبت بأن العيش بين أظافر ومخالب تعدو على الضعفاء

عيش شريف والحياة تضافر والويل كل الويل للجبناء

ان السفينة من طبيعة سيرها لا تستقر بعاصف هوجاء

تستنزل الرزق الاسود بقوة لكنه يجري بحكم قضاء

​وتعبدت أرض الجزيرة كلها وامتد ذاك لسائر الارجاء

ومشت جنود المسلمين طلائعا والدين يحدوها بأي حداء

وصلت حدود الصين حتى أذهلت اعداءها بعزيمة ومضاء

باسم العقيدة لا بسيف مصلت عقدت على الدنيا اعز لواء

وبعزمها لا بالتخاذل اصبحت عملاقة تسطو على الاعداء

وبدينها قد حققت أهدافها في المجد لا بالفكرة الحمراء

وبحفظها الاعراض صانت قدرها في الخدر لا في معرض الازياء

​وطني وانت أعز عندي من دمي والعز لا يرجى بغير دماء

لك في الفؤاد مكانة قدسية تنمو نمو النبتة الخضراء

تسقى بحبك وهي فطرة خالق من فيض دين ليس فيض ولاء

قد كنت رمزا للفضيلة والتقى بالله اين محافل العلماء

أين انتفى ذاك الجلال واهله وخبت أشعة نورك الوضاء

وجمعت من اشتات كل رذيلة جاءت بها نفر من العملاء

وتعطلت أحكام دين محمد واستبدلت بمسارح وغناء

الدين عند المسلمين قبيحة تزدريهم وتحط بالنبلاء

يمشي غريبا في الأزقة سائرا (يا قوم اين منازل الغرباء)

الذنب ذنب المسلمين لأنهم عكفوا على الشهوات والاهواء

​اني رفضت اباحة الخمر الذي هو رأس كل جريمة نكراء

ونبذت رأي الاختلاط وانما خوف الفتى من مبدأ الخلطاء

الخلط في الجنسين خلط في النهى حكم اتى من أحكم الحكماء

ان الخليط يكون بين خليطه في حينه جزءا من الاجزاء

البنت ورد والغصون حجابها والشوك يحميها من الاعداء

فاعجب لها لما سخت بجمالها سبحان من هو اكرم الكرماء

خلعت حياها عند خلع حجابها وتبرجت منه بغير حياء

نثرت سوالفها على أكتافها وتلونت كتلون الحرباء

ومشت الى جنب الشباب وصوبت نظرا بعين الحية الرقطاء

نمط عجيب بالبلاء فهل ترى للمسلمين اليوم من نظراء

 

مقالات مشابهة