وليد الكعبة

الشيخ عباس الريس 


تُمثّل قصيدة "وليد الكعبة" نصاً شعرياً كلاسيكياً رصيناً يندرج ضمن أدب المديح الولائي، وتتخذ من المعجزة التاريخية لولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في جوف الكعبة المشرفة محوراً عقائدياً لها. يستهل الشاعر نصه بمقدمة طللية ووجدانية يتساءل فيها عن البكاء على الأطلال جرياً على تقاليد القصيدة العربية القديمة، قبل أن ينتقل ببراعة لتسليط الضوء على الحدث الأجلّ؛ وهو لجوء فاطمة بنت أسد إلى البيت الحرام وانشقاق جداره ترحيباً بالمولود. وتعتمد القصيدة في بنائها الفني على المزج بين السردية التاريخية والتصوير الملحمي، حيث تُشرك العناصر الكونية والطبيعية والملائكية في مشهد الاحتفاء المهيب، لتُختتم الأبيات بالإشادة بمناقب الإمام وشجاعته الاستثنائية ودوره الفدائي كأخٍ وناصرٍ للنبي المصطفى (ص)، مما يجعل النص لوحة أدبية متماسكة تفيض بالإجلال الديني والاعتزاز الروحي.

مالي أراكَ بوقفةِ المحتارِ أفهل صبوتَ لزينبٍ ونوارِ؟

تستنطق الصم الصلاد كأنما اودعتَ قلبك في ربوع الدارِ

تبكي بكاء الثاكلات لمنزلٍ عفت الليالي رسمه بالذاري

وتعجُّ عجَّ اليعملات لمألفٍ تبكي عليه بدمعك المدرارِ

ماذا وقوفك والديار بلاقعٌ بعد الأنيس وضجة السمارِ

ام هل أهاجك بالغميم نفيرها أن المها -طبعاً- ذوات نفارِ

ام قلبك الصادي يروح ويغتدى ام في فؤاد الصب جذوة نارِ

دع ذكر كل خريدةٍ ان الهوى عند النهى سر من الاسرارِ

فالعقل سلطان الجوارح كلها متحكم في كل فعلٍ جاري

لكنما الانسان داعبه المنى سفهاً فيخلق جنةً من نارِ

​فأصخ بسمعك واستمع ماذا جرى في البيت ذي الاحجار والاستارِ

قسماً برب الراقصات اذا بدت بضيائها اللمّاع في الاسحارِ

والكوكب الدرّي المشعّ اذا سرى وشعاعه كمهندٍ بتّارِ

وبكل ذي فضل سما فتقاصرت عنه العلى من فوق هام حِضارِ

ان البنيّة شُرفت بفضيلةٍ حُدثت بها لعلي الكرارِ

فتعاظم الفضل العظيم وانما ذكرُ الفتى بالفضل خيرُ شعارِ

​جاءت لتستلم البنيّة فاطمٌ وفؤادها كالخافقِ الطيّارِ

وبجسمها رعشٌ يهزّ كيانها فكأنه فلك على التيّارِ

والعينُ نحو الأفقِ تصعد تارةً فكأنها استُلّت من الاشفارِ

وتعود أخرى كي ترى من تحتِها أرضاً تعجُّ بمحنةِ الاخطارِ

قلبٌ يصفّق بالحنين ومقلةٌ فيها ترقرقُ دمعةُ المحتارِ

والمرء إن جهل الامور فقلبه يبقى رهين الحبس في الاسوارِ

حجر الجسوم اقل من حجر النهى مهما أُصيبت في الورى بصغارِ

​وتوسّلت بالبيتِ وهو وسيلةٌ وتعلقت بالركنِ والأستارِ

طافت به سبعاً ولكن لم تزل حيرى تحنُّ به حنينَ عِشارِ

قد ضامها المُ المخاض فأصبحت ثكلى تعجُّ لربها الجبّارِ

يابنتَ ذي اللبدِ المصون عرينه وعقيلة من معشرٍ أخيارِ

وقرينة الاسد الهصور وعرسه هلاّ دعوتِ بوالد الأطهارِ

انَّ الجنين اذا دعوتِ بفضلهِ قسمٌ عظيم ذو علاً وفخارِ

لو قد علمتِ بفضل نجلكِ في الورى وبأنه أمر الأله الجاري

لدعوتِ ربَّكِ كي يجيب وانما دركُ المنى في فطنةِ الافكارِ

​هو طاهرٌ ومطهرٌ من طاهرٍ قد أنجبته عشيرة الاطهارِ

ان كان عيسى قد تكلّم ناطقاً في مهده رداً على الاحبارِ

فوليد فاطم وهو في أحشائها بدأ الكلام بغامض الأخبارِ

تستدفع البلوى بطلعةِ وجههِ وبه تزول جلائل الاخطارِ

فلكم جلا كرباً بوجه محمّدٍ بمهنّدٍ يقضي على الأعمارِ

ونفى اليهود عن الجزيرة بعدما دكَّ الحصون منيعة الأسوارِ

لو كان حيدر حاضراً ما كشّرت وتنمّرت بالناب والأظفارِ

​وانشقَّ ظهر البيت ترحيباً بها فاعجب لشقٍّ ماثلٍ بجدارِ

فكأن صارمَ حيدرٍ قد قدَّهُ لكنَّ صارمه بغير شفارِ

وبدت عليها حيرةٌ لكنما ولجت به وغدت بدارِ قرارِ

وعلى نجوم الافق ومضة بارقٍ شعّت على الاكوان بالأنوارِ

وملائك الرحمن من أفق السما نزلت عليه بهيئة الزوّارِ

سجعت له الأركان سجع حمائمٍ اذ حلّقت طرباً على الأشجارِ

والمنتهى قد صفّقت أغصانها شوقاً لذاك الكوكبِ السيّارِ

وعلى الجبال الشم من أمّ القرى قسمات لحنٍ ليس من مزمارِ

وعلى رمال البيد نغمة صادحٍ لكنه نغمٌ بلا اوتارِ

للهِ من يومٍ به سَعد الورى وله على الاسلام أي شعارِ

بشّر رسول الله فهو أخٌ له ما أشبه الأقمارَ بالاقمارِ

هو ناصرٌ لكنه لمحمدٍ يوم الكريهة ليس كالأنصارِ

بل قل فدائيٌّ فربّ مقاتلٍ عميت بصيرته عن الإبصارِ

هرجُ المجالس لا يفيد كرامة للمرء بل بالذابلِ الخطّارِ

(أسد عليَّ وفي الحروب نعامة) أتعامل هذا مع الاقدارِ

(لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى) الاّ بفيض الدم كالأنهارِ

​أأبا الحسينِ وانت نفسُ محمّدٍ بوركتَ مولوداً ببيت الباري

ما نال هذا الانبياء جميعهم والفضل فيهم عالي المقدارِ

ومناقب قد أرغمت لمعاطسٍ صلب الحديد تذيبه بالنارِ

شرّفت بيت الله حين وُلدتَ في ارجائه يا والد الأبرارِ

فسلامه يغشاك ما هبّ الصبا او غرّد الأطيار بالاوكارِ


مقالات مشابهة