بعثة النبي المصطفى

الشيخ عباس الريس 

تُعد قصيدة "بعثة النبي المصطفى" المؤرخة في 25 رجب 1393هـ، نصاً شعرياً عمودياً يندرج ضمن مسار الأدب الإسلامي الإصلاحي، وتتخذ من ذكرى المبعث النبوي وحادثة الإسراء والمعراج منطلقاً موضوعياً لها. يبني الشاعر نصه على مفارقة زمنية وقيمية حادة؛ إذ يستهلها بتصوير فني لحالة التمزق والشقاء في العصر الجاهلي قبل أن يبددها نور الرسالة المحمدية الذي أرسى دعائم الأخوة والمجد، ثم يوظف هذا السياق التاريخي المضيء كمرجعية نقدية لاذعة لجلد الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر. وتتجلى النزعة الوعظية التحذيرية بوضوح في النصف الثاني من القصيدة عبر استنكار الشاعر الشديد لمظاهر التغريب، والتيارات الفكرية المستوردة، والتردي الأخلاقي، ودعوات التحرر التي يراها خديعة تستهدف بنية الأسرة والمجتمع، ليُقدّم النص في مجمله مقاربة أدبية تسعى إلى استنهاض الوعي وإعادة ربط الأمة بمرجعيتها الدينية والأخلاقية كسبيل أوحد لتجاوز انحطاطها الحضاري.


شعت لنا كالدرهم البراق فأدر - فديتك - راحها يا ساقي

هي صرفة مصروفة لمثيلها (مشتاقة تسعى الى مشتاق)

وأدر مشعشعة بحب محمد فالحب فيه مصارع العشاق

واسمع لنغمة صادح في المنتهى مترنما في غصنها الخفاق

بعث النبي المصطفى في مكة يهدي الأنام لمبدء خلاق

ويمهد الدنيا لأسعد أمة لتعيش عيش تعاون ووفاق

وتكون صفا واحدا ذا هيبة في الدهر بين تكاتف وعناق

​كانت قديما ذات عيش خامل تبني الحياة بجفوة وفراق

وتعيش في الأرض الفساد وتتقي بعدوها البلوى فبئس الواقي

تبني وتهدم ماتشيد فلا ترى الا كدود القز من مصداق

يبني الحرير ولم يزل في محنة ويموت وهو ببيته الخناق

أو لا، فيهدم ما بناه بنفسه فيبور ذاك الغزل في الاسواق

في كل ناحية تعيش قبيلة فكأنما خلقوا لمحض شقاق

يتسامرون بكل أبيض مرهف والفذ كل مجرب سباق

تستنزل الرزق الاسود بقوة لكنه من قسمة الرزاق

​عاشت من الآلام ليلا حالكا ينساب في الاحداق والآماق

حتى اذا قرب الصباح ولم يكد يأتى فكل الناس رهن وفاق

شعت على الاكوان ومضة بارق وسناؤها قد عم في الآفاق

فاضاءت الدنيا بدعوة أحمد نورا ولكن ليس بالحراق

واستل من تلك النفوس حقودها وغدت تضيئ بحبه الدفاق

غمرت قلوب المؤمنين بحبه يا نشوتي زيدي ويا أشواقي

​زرع الأخوة في القلوب فأصبحت تسعى لمجد في البرية راقي

المجد في الدنيا يتاح لأمة من صنع فرد مبدع عملاق

تعتز أمتنا بدين محمد فهو الذي قد حل كل رباق

لا تفخر الدنيا بكل قبيحة تزري الفتى وتحط بالأخلاق

الشعب يفخر في الحياة بدينه ان كان شعبا طيب الأعراق

​يا صاحب المعراج عرج ساعة لتضج مذهولا من الاعماق

لترى عجيبا في الحياة مراغما وغرائبا غطت على الاحداق

صعقت لكل جريمة احشاؤنا وقلوبنا ناهيك من إصعاق

يئن الصعيد بكل اثم قائلا ياقوم قد دنستم اطباقي

يا امة القرآن وهو معينكم والمستقى من سلسل رقراق

الكفر قبح والقبيح سخافة يسعى ذووه بمنهل غساق

(أمر كما قال البداهة قائل) الشمس شمس وهي في الآفاق

النجم ان شق الدجى متألقا يعش العيون بومضه البراق

وتراه يخبو نوره في لمحة فكأنه ضوء لدى سواف

والبدر يبقى ليلة متكاملا كالدين يشرق أيما اشراق

​وطني أيا بلد التفسخ والهوى والخمر كيف غدوت مر مذاق

يا موطن العشاق في وضح الضحى هلا سمعت بنكبة العشاق

قالوا بأن العاهرات تقلصت اسواقها يا خيبة الأسواق

يا ملتقى الاحزاب من شرقية تنساب أو غربية لتلاقي

كتل من الآثام تدهمنا فلا تحصى بتقييد ولا إطلاق

انى نظرت ترى الغرام تفننا في كل فج ضيق وزقاق

عمل يشين المرء في اخلاقه يا قوم اين مكارم الاخلاق

القلب يدمى من عجيب أمورنا والنفس تزهق ايما ازهاق

​سيق الشباب وراء كل رذيلة بعدا لكل مغفل منساق

الكف تلوى منه فوق متونها والساق منه تلتقي بالساق

ماذا تحدث والحوادث جمة لما تزل والشر في إغراق

شمس العروبة حجبتها ظلمة لما مضى بدر الهدى لمحاق

والدين ان عاشت بنوه بمعزل عنه فعيش شيب بالارهاق

الدين يشرق في النفوس فان تعش من دونه عاشت بلا اشراق

(لا تشتمن الخطب او تبكي له) فالخطب قيدنا بألف وثاق

نحني له الاعناق طوعا وهو في غاراته يقسو على الاعناق

​خدعوا النساء فطالبوا بحقوقها هل بعد حق الدين من إحقاق

من حقها بين الرجال تبرج وخصوصا الانذال والفساق

والسير في طرق الرذيلة حسرا وتجاذب الأرداف في الاسواق

برزت نساء المسلمين سوافرا وتعرضت لمصايد الفساق

والمسلمون بمسمع وبمنظر ما بين جهل مطبق ونفاق

صدق الألى قالوا فما شرف الفتى يبقى اذا ما العرض ليس بباق

البنت ورد والغصون حجابها وتحاط بالاشواك والاوراق

فاذا فتحت الورد طارت ريحه لا يصلح المفتوح لاستنشاق

البنت ماء والحجاب اناؤها والماء يهرق ايما اهراق


مقالات مشابهة