![]() |
| الشيخ عباس الريس |
وكيف كان فقد تكرر في كلامه ـ تعالى ـ ذكر الروح في آيات كثيرة مكية ومدنية ، ولم يرد في جميعها المعنى الذي نجده في الحيوان ، وهو مبدأ الحياة الذي يتفرع عليه الإحساس والحركة الإرادية .
وللمفسرين في المراد من الروح المسؤول عنه والمجاب عنه أقوال ليس من اللازم ذكرها على التفصيل .
إلا أن المراد به الروح الإنساني لأن ذلك هو المتبادر من الإطلاق . وقوله : ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ ترك للبيان ونهي عن التوغل في فهم حقيقة الروح فإنه من أمر الله الذي استأثر بعلمه ، ولم يطلع على حقيقته أحداً .
ثم اختلفوا في حقيقته بين قائل بأنه جسم هوائي متردد في مخارق البدن ، وقائل بأنه جسم هوائي في هيئة البدن حال فيه وخروجه موته . وقائل بأنه أجزاء أصلية في القلب ، وقائل بأنه عرض في البدن ، وقائل بأنه نفس البدن .. إلى غير ذلك .
وقال بعضهم إن المراد به مطلق الروح الواقع في كلامه ، والسؤال إنما هو عن كونه قديماً أو محدثاً ، فأجيب بأنه يحدث عن أمره وفعله - تعالى - ، وفعله محدث لا قديم .
ثم إن لهم اختلافاً في معنى قوله : ﴿ الروح من أمر ربي ﴾ أهو جواب مثبت أو ترك للجواب وصرف للسؤال على قولين . والوجوه مختلفة في المناسبة مع هذين القولين . فالمتعين في بعضها القول الأول ، وفي بعضها الثاني .
ويقول الحكماء إن روح الإنسان كانت سابحة في بحر الحقيقة قبل وجود سائر الموجودات ، وحاملها العناية الأزلية ، قال سبحانه : ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ﴾ . ثم أودعت هذه الروح في حجر ضئر الجسد ؛ لتكسب بعض الكمالات ، وتحصل بعض الإستعدادات التي لا تحصل بدون ذلك ، ثم تسير إلى أصلها أو تسبح إلى منشئها وتعود إلى بحر الحقيقة وقد حصل لها استعداد قبول الفيوض الجلالية والجمالية ، واستمدت الإشراف بالأنوار والبوارق السرمدية .
فالروح تيار كوني خفي يكاد يكون أقوى العوالم التي تهيمن على الكائنات بما تتقوم به من لطف يخضع له كيان الوجود في الحياة ، يبدأ هذا التيار العاصف بالكون ، يبدأ تدفقه من لدن قوة أزلية جبارة لا نستطيع تصورها من حيث لا نستطيع الإحاطة بها والتحسس منها بأكثر من أنها تهيمن علينا وتبعث فينا الحياة .
وقد تجرؤا على القول بأن الروح العام تارة يكون كلاً وله أجزاء تهيمن على العوالم ، وتارة يكون كلياً له جزئيات تهيمن على الأفراد ، وقد يكون الروح العام كلاً بالنسبة للعوالم والأجرام الكونية ، وتكون أجزاؤه المسيطرة على العوالم كليات بالنسبة إلى أفراد تلك العوالم .
ففينا نحن أفراد الإنسان جزئيات من الروح الكلي في عالمنا الأرضي ، كما أن عالمنا هذا يهيمن عليه جزء من الروح العام الذي هو كل بالنسبة إلى عالم الوجود .
فكما أن كلي الماء على سطح هذا الكوكب الأرضي يتناثر بفعل الهواء المسيطر عليه جزئيات في كل منا ليقوم به ، وكما أن كلي الهواء على سطح هذا الكوكب يتناثر بفعل الكهرباء المسيطرة عليه جزئيات في كل منا ليتقوم به ، كذلك نرى أن كلي الروح على سطح هذا الكوكب يتناثر بفعل الروح الكوني العام جزئيات في كل منا لتتقوم به ، فكياننا الإنساني مركب تركيباً مزجياً متداخلاً من جزئيات بعثتها كليات متداخلة في كوننا الأزلي منذ كان الأزل المهيمن على الكون .
العلم الحديث يبحث الآن عن جزئيات الروح المنبثقة عنا في لوحة الأثير ليلتقطها بما التقط به جزئيات المادة كالصوت والنظر المنبثقة في هذه اللوحة ، بحيث نصبح بعد حين من الزمن طال أو قصر قادرين على توجيه الفكر لالتقاط جزئيات الروح الكلي في عالم الإنسان المنبثقة في تيار الأثير ، كما أصبحنا قادرين على توجيه السمع بواسطة الراديو لالتقاط جزئيات الصوت المنبثة في ذلك التيار .
ويبحث علم ( الميتافيزيقا ) المسمى بعلم ما وراء الطبيعة في ما وراء هذه الحياة من أسرار وما يشاهد في الإنسان من غرائب كالإحساس بما سيقع والأحلام ، وقراءة الأفكار . وهو في الحقيقة علم له مكانته ما بين العلوم المعتبرة عند الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم ، وهو علم يعرف الإنسان بنفسه ( ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ) .
ولقد ظل موضوع الروح الشغل الشاغل للعلم والعلماء، على اعتبار أنه عالم مستقل ، حتى ثبت أن الإنسان جسم وروح ، بعد التجارب القاسية التي بدأت بصورة منتظمة قوامها العلم ، وتقدمت من جراء ذلك العلوم الروحية في العصر الحديث تقدماً مضطرداً ، وأصبحت من العلوم المعترف بها .
فأين مكان الروح من هذا كله بعد هذا كله ؟ إن الروح هي مصدر الحرارة في الدم ، ومصدر الإرادة في الأعصاب ، ثم هي مصدر الإلهام في القلب ، والحياة كلها هي هذه في الإنسان ، وبعضها في الحيوان. إذاً فالروح هو مصدر الحياة يتكون من تيار لطيف يهيمن على الوجود ويتغلغل في كل جزئي منه ، وذلك كما أسلفنا .
وبقي أن نقول في تساؤل ما هي الروح المقصودة في الحديث والبحث ؛ لأن الحكماء قد عدوها إلى أقسام ، كروح النمو وروح اليقظة والروح الطبيعية وروح الحياة . إلا أن الباحثين عندما يبحثون ذلك لا يقصدون به إلا روح الحياة ، وذلك ما ينطبق عليه جميع ما تقدم .
ولسنا في حاجة بعد هذا إلى الحديث عن تناسخ الأرواح وغير ذلك مما تطرق إليه الفلاسفة في أبحاثهم .
وفي ختام هذا البحث نذيله بهذه الرواية المناسبة للموضوع فقد روى أبو نعيم أحمد بن عبد الله الشافعي الأصبهاني في كتاب ( حلية الأولياء ) عن الحارث بن عميرة قال : انطلقت حتى أتيت المدائن ، فإذا أنا برجل عليه ثياب خلقان ومعه أديم أحمر يعركه ، فالتفت فنظر إلي فأومأ بيده مكانك ، يا عبد الله ، فقمت وقلت لمن كان عندي : من هذا الرجل ؟ قالوا : هذا سلمان .
قال : فدخل بيته ، فلبس ثياب بياض ، ثم أقبل وأخذ بيدي وصافحني وسألني . قلت يا عبد الله ، ما رأيتني فيما مضى ولا رأيتك ، ولا عرفتني ولا عرفتك ! قال : بلى والذي نفسي بيده ، لقد عرفت روحي روحك حين رأيتك ، ألست الحارث ابن عميرة ؟ فقلت بلى ، قال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ يقول : ( الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها في الله ائتلف ، وما تناكر منها في الله اختلف ) .
ونعود للحديث عن العوالم فنقول :
إن أهل العرفان قد ضبطوا هذه العوالم في أربعة : عالم الجبروت ، وعالم الملكوت ، وعالم الغيب ، وعالم الشهادة .
أما عالم الجبروت : فهو ما يعبر به عن الذات المقدسة ، وينسب إليها ، وهو من جبرته على كذا أو أجبرته ، إذا أكرهته ، أو من قولهم نخلة جبارة إذا علت بحيث لا تنالها الأيدي ، لأنه تعالى ألزم الخلق بما حكم به وقضاه ، وتعالى عن إدراك العقول ، فلا تبلغ غايته ومعناه .
وأما عالم الملكوت : فهو ما يعبر به عن صفاته ـ تعالى ـ ، وينقسم إلى الملكوت الأعلى ، وهو ما لا يتعلق منها بالمخلوقات ، والملكوت الأدنى وهو ما يتعلق بها . فلله ـ تعالى ـ على كل شيء جبروت لاستيلائه على الكل ، وفي كل شيء ملكوت لتصرفه في الكل ، وإلى هذا أشار قوله - تعالى - : ﴿ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ﴾ .
وأما عالم الغيب : فهو ما كان من المخلوقات غائباً عن إحساسنا ويدخل في هذا العالم عالم الروح الذي تحدثنا عنه تواً ، وكل مالا يدرك بالنظر والفكر .
وعالم الشهادة : هو ما كان منها محسوساً لنا وهو ما نشاهده ونحسه وندركه .
ثم قالوا : وموقع الأسماء هو عالم الجبروت ، ووجودها في ما تحته بطريق التنزلات ، فينزل إلى عالم الملكوت من جهة اتصافها بالصفات ، ثم إلى عالم الغيب من جهة إيداعها الروحانيات ، ثم إلى عالم الشهادة من جهة تكوينها للجسمانيات ، وليس تحته عالم تنزل إليه .
بعدما تقدم من الحديث عن العوالم نعود مرة أخرى إلى النص الماثل بين يدي البحث ( أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ) فنراه يشير بوضوح إلى أن الله - سبحانه - هو المؤنس للإنسان في وحشته ، وقد تناولت العبارة هذا المعنى بصورة عامة في حالة حياتهم وموتهم ؛ لأنه - سبحانه - حي لا يموت .
أما الوحشة في حال الحياة فلأنهم لا يأنسون إلى أحد من الخلق كأنسهم بالله - سبحانه - ؛ لأنه أحب الموجودات لديهم ، والحبيب إذا خلى بحبيبه يأنس به بمقدار تلك المحبة .
لا يقال بأن معنى ذلك هو تصويرهم مستوحشين لا يأنسون بأحد ، ولا يعاشرون أحداً ولا يحبون أحداً ؛ لأنا نقول : إن الأنس والوحشة يختلفان شدة وضعفاً ـ كما أشرنا إلى ذلك تواً ـ فكلما تعلق القلب بموجود أنس بذكره ، فلا يألف سواه ، فهو لا ينساه أبداً ، وإذا استحوذ ذكره على القلب انتفى غيره ، وهذا ما أشرنا إليه أيضاً في شرح هذا النص من إزالة الأغيار .
أما الأنس والوحشة في الممات فهما لا يحتاجان إلى بيان ، فمن أنس بربه في الحياة الدنيا آنسه في حال الممات ، ومن استوحش من ذكر الله في حياته أوحشه الله في حال مماته ، إما بسبب بطلان العمل وهو المؤنس للإنسان في وحشته ، وإما لسبب آخر .
