![]() |
| الشيخ عباس الريس |
وبعد أن وصف ربه - عز وجل - بما تقدم من الصفات ، وأهمها العدل في القضاء وهو من الأمور الحساسة جدا في بناء العقيدة الإسلامية بين علماء المسلمين وفرقهم على إختلاف آرائهم ، وبعد أن ذكر العدل في القضاء ، والعدل له ميزة خاصة في هذا المجال كما أشرنا إلى ذلك سابقا في هذا الجزء من الكتاب . بعد كل ذلك سأل الله - سبحانه - أن يقضي له في جملة ما يقضي بالخير ، وأن يجعله من أهل الخير . فقال - عليه السلام - : ( إقض لنا الخير ، واجعلنا من أهل الخير ) والخير هو كل ما يعود على الإنسان بالمصلحة ، أو ما يأتيه من شيء ، سواء كان ذلك من أمور الدنيا والآخرة ، والقضاء بالخير للإنسان يعني إعطاءه ذلك الشيء الذي سأل ربه إياه أو لم يسأله ، أما جعله من أهل الخير فهو أعم من ذلك ؛ لأن الإنسان إذا كان من أهل الخير قضى له به أو لم يقض له بذلك .
وعندما سأل ربه بهذا السؤال كان على علم لأن الخير لا يأتي إلا من جهته فهو - سبحانه - المتصرف في أمور عباده يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، وكل ذلك مصلحة للعبد داخلة في ضمن عنوان الخير ، وقد أشار - سبحانه - إلى ذلك في الكتاب العزيز في قوله - عز وجل - : ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ﴾ قال في الميزان : هو أمر بالإلتجاء إلى الله - تعالى - الذي بيده الخير على الإطلاق ، وله القدرة المطلقة لنتخلص من هذه الدعاوى الوهمية التي نشبت في قلوب المنافقين والمتمردين من الحق من المشركين وأهل الكتاب فضلوا وهلكوا بما قدروه لأنفسهم من الملك والعزة والغنى عن الله - سبحانه - ويعرض الملتجيء نفسه على إفاضة مفيض الخير والرازق لمن يشاء بغير حساب .
والأصل في معنى الخير هو الإنتخاب ، وإنما سمي الشيء خيرا لأنا نقيسه لشيء آخر ، نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير ، ولا نختاره إلا لكونه متضمنا لما نريده ونقصده ، فما نريده هو الخير بالحقيقة ، وان كنا أردناه أيضا لشيء آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة ، وغيره خير من جهته ، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى خيرا لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره ، وهو المنتخب من بين الأشياء إذا أردنا واحدا منها وترددنا في اختياره من بينها .
فالشيء كما عرفت إنما يسمى خير لكونه منتخبا إذا قيس إلى شيء آخر مؤثر بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الخير ولذا قيل : إنه صيغة التفضيل وأصله ( أخير ) وليس بأفعل التفضيل ، وإنما يقبل إنطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق بغيره كما يتعلق أفضل التفضيل ، يقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد أفضلهما ، ويقال : زيد خير من عمرو ، وزيد خيرهما .
ولو كان ( خير ) صيغة التفضيل لجرى فيه ما يجري عليه ، ويقال أفضل وأفاضل وفضلى وفضليات ، ولا يجري ذلك في خير بل يقال : خير وخيرة وأخيار وخيرات ، كما يقال : شيخ وشيخة ، وأشياخ وشيخات ، فهو صفة مشبهة .
ومما يؤيده إستعماله في موارد لا يقتسم فيه معنى أفعل التفضيل كقوله - تعالى - : ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ﴾ فلا خير في اللهو حتى يستقيم معنى أفعل ، وقد اعتذروا عنه وعن أمثاله بأنه منسلخ فيها عن معنى التفضيل وهو كما ترى فالحق إن الخير إنما يفيد معنى الإنتخاب ، واشتمال ما يقابله من المقيس عليه على شيء من الخير من الخصوصيات الغالبة في الموارد .
ويظهر مما تقدم أن الله - سبحانه - هو الخير على الإطلاق لأنه الذي ينتهي إليه كل شيء ويرجع إليه كل شيء ، ويطلبه ويقصده كل شيء ، لكن القرآن الكريم لا يطلق عليه - سبحانه - الخير إطلاقه الإسم كسائر أسمائه الحسنى - جلت أسماؤه - وإنما يطلقه عليه إطلاق التوصيف كقوله - تعالى - : ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .
وقد قسموا الخير إلى تكويني وتشريعي ، والشر كذلك ؛ لأنه لا يمكن تصور الخير إلا بمقابلة الشر . إذا فهناك خير وشر تكوينيان كالملك والعزة ، ونزع الملك والذلة ، والخير التكويني أمر وجودي من إيتاء الله - تعالى - ، والشر التكويني إنما هو عدم إيتاء الخير ، ولا خير في انتسابه إلى الله - سبحانه - فإنه هو المالك للخير لا يملكه غيره ، فإذا أعطى غيره شيئا من الخير فله الأمر وله الحمد ، وإن لم يعط أو منع فلا حق لغيره عليه حتى يلزمه عليه فيكون امتناعه من الإعطاء ظلما ، على أن اعطاءه ومنعه كليهما مقارنات للمصالح العامة الدخيلة في صلاح النظام الدائر بين أجزاء العالم .
أما الخير والشر التشريعيان فهما أقسام الطاعات والمعاصي ، وهما الأفعال الصادرة عن الإنسان من حيث انتسابها إلى اختياره ، ولا تستند من هذه الجهة إلى غير الإنسان قطعا ، وهذه النسبة هي الملاك لحسنها وقبحها ، ولو فرض إختيار في صدورها لم تتصف بحسن ولا قبح ، وهي من هذه الجهة لا تنتسب إليه - تعالى - إلا من حيث توفيقه وعدم توفيقه لمصالح تقتضي ذلك .
وقد تبين إن الخير كله بيد الله ، وبذلك ينتظم أمر العالم في اشتماله على كل وجدان وحرمان وخير وشر .
ومما تقدم ندرك أن ما قاله - عليه السلام - : ( واجعلنا من أهل الخير ) إنه لا يمكن لأحد غير الله أن يفعل ذلك لأن الخير بيده - سبحانه - ، وجعل الإنسان من أهل الخير يعني رصده في قائمة الموفقين للحصول على الخير من الله ، أو للعاملين الخير - ما شئت فعبر - إذا قلنا بأن الخير كله من عند الله ظاهرا وباطنا .
وفي هذا المعنى سنحت هذه الأبيات حال البحث وهي :
يا واهب الخير ويا أهله ... أنت الذي تعطي وأنت المجير
يا رازق الأطيار في وكرها ... ومطلقا بعد العناء الأسير
يا غاية المقصود هذي يدي ... قد ملئت من شرها المستطير
أنا الضعيف الهالك المرتجي ... نوالك الخصب وأنت القدير
عطفا إلهي فأنا سالك ... مسالك الجهل وأنت الخبير
يا مظهر الخير يباهي به ... وساتر الشر لعبد حقير
كلي عورات وأنت الذي ... تسترها إني فيها كسير
إقض لنا الخير فما للورى ... سواك من قاض يفك الأسير
وعادة المولى على عبده ... يفيض من إحسانه بالكثير
