معنى الرضا والسخط

الشيخ عباس الريس 

جاء في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق - رحمه الله تعالى - عدة روايات في هذا المعنى .

​عن أحمد ابن أبي عبدالله عن أبيه رفعه إلى أبي عبدالله - عليه السلام - في قول الله - عز وجل - : (فلما آسفونا إنتقمنا) قال : إن الله - تبارك وتعالى - لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مدبرون ، فجعل رضاهم لنفسه رضى وسخطهم لنفسه سخطا ؛ وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه ؛ فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك ، وقد قال أيضا : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها ) . وقال أيضا : (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال أيضا : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك ، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك ،

​ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول : إن المكون يبيد يوما ما ؛ لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغير وإذا دخله التغير لم يؤمن عليه الإبادة ، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون ، ولا القادر من المقدور ، ولا الخالق من المخلوق ، تعالى عن هذا القول علوا كبيرا ، هو الخالق للأشياء لا لحاجة ، فإذا كان لا لحاجة إستحال الحد والكيف فيه ، فافهم ذلك إن شاء الله .

​وفي رواية أخرى حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن العباس بن عمرو الفقيمي ، عن هشام بن الحكم أن رجلا سأل أبا عبدالله - عليه السلام - عن الله - تبارك وتعالى - له رضى وسخط ؟ فقال : نعم ، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ، وذلك أن الرضا والغضب دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال ، معتمل مركب ، للأشياء فيه مدخل وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه واحد ، أحدي الذات ، وأحدي المعنى ، فرضاه ثوابه ، وسخطه عقابه من شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال فإن ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين ، وهو تبارك وتعالى القوي العزيز الذي لا حاجة به إلى شيء مما خلق ، وخلقه جميعا محتاجون إليه ، إنما خلق الأشياء من غير حاجة ولا سبب إختراعا وابتداعا .

​وقال حدثنا أحمد بن حسن القطان ، قال حدثنا الحسن بن علي السكري ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الجوهري ، عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه قال سألت الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام - فقلت له : يا بن رسول الله أخبرني عن الله - عز وجل - هل له رضى وسخط ؟ فقال : نعم وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ولكن غضب الله عقابه ، ورضاه ثوابه . ويأخذك الذهول عندما تقرأ ما بعد هذه العبارة وهو قوله : ( من قبل ذلك ) ومعناه من قبل المقام الذي صدر فيه هذا التضرع لعلمه - عليه السلام - بأن الله يعلم بعزمات الإنسان وخطرات الجنان قبل أن تكون ، وقد جاء هذا المعنى في دعاء الصباح المروي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - قوله : ( يا من قرب من خواطر الظنون ، وبعد عن لحظات العيون ، وعلم بما كان قبل أن يكون ) . وبهذا المعنى جاء قوله تعالى : (ولا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) وقوله تعالى : (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) ، وقوله تعالى : (والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما) وكثير هي الآيات التي وردت في الذكر الحكيم وهي تحمل هذا المعنى .

​ومرة أخرى نعود فنقول إن العتبى من الله للعبد قبل صدورها وبعد صدورها معناه المحبة والرضا ؛ لأن الله إذا أراد للعبد خيرا عاقبه بأي شكل من الأشكال ليحول بينه وبين المعصية ، لأنه لو لم يكن كذلك لما أعتبه ؛ ولأرسله إرسال من لا خير فيه - كما سوف يأتينا هذا النص في مطاوي الأبحاث القادمة من الدعاء - خصوصا إذا نظرنا - إلى ما ورد في معنى اللغة لهذه الكلمة وأنها هي الملامة ، وهي لا تقع إلا بين طرفين تربطهما أنواع من العلاقات وأي علاقات أوثق من علاقات الخالق بالمخلوق ، والموجد بالموجود . ولقد ذكر الله قوما في النار كانوا يستعتبون فلم يعتبوا ، وذلك في قوله تعالى : (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ، وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) فقد ورد في معناها كما ذكر الطوسي في التبيان عن البلخي معناه فإن يتخيروا المعاصي فالنار مصير لهم ، وقال قوم : معناه وإن يصبروا في الدنيا على المعاصي فالنار مثواهم (وإن يستعتبوا) بضم الياء معناه إن طلب منهم العتبى لم يعتبوا ، أي لم يرجعوا ولم ينزعوا . وقال قوم : المعنى فإن يصبروا أو يجزعوا فالنار مثوى لهم ، (وإن يستعتبوا) معناه فإن يجزعوا فيستعتبوا (فما هم من المعتبين) ؛ لأنه ليس يستعتب إلا من قد جزع مما قد أصابه فطلب العتبى حينئذ ، كما قال تعالى : (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم) ومعنى الآية (فإن يصبروا) على ما هم فيه فمقامهم في النار ، (وإن يستعتبوا) أي وإن يطلبوا العتبى وهي الرضا (فما هم من المعتبين) أي ليس بمرضي عنهم ، لأن السخط من الله تعالى بكفرهم قد لزمهم وزال التكليف عنهم فليس لهم طريق إلا الاعتاب .

​وهناك إحتمال آخر في قوله - عليه السلام - ( من قبل ذلك ) وهو قبل خلقه ، وبذلك فإنه - عليه السلام - قد أعطى ربه الحق المطلق في إيجاده وعدمه ، ولكن يرد على هذا : أن الخطاب لا يوجه إلا للكائن الحي العاقل البالغ المكلف الموجود فعلا ، ( والعتبى ) هي من جملة الخطابات الموجهة إلى العقلاء . ويمكن الجواب عن ذلك بأن ( العتبى ) من جملة الحوادث التي تكتب على الإنسان الذي في علم الله أنه سيوجد كغيرها من جملة الأحداث التي تعتريه في حياته . وهناك أخر أخرى ربما لا يحتملها المقام طويناها خوف الإطالة .

​ثم نراه - عليه السلام - يردد كلمة الإخلاص التي تعتبر أنشودة الأخيار ولهجة الأبرار ، وطعام الأطهار ، الكلمة التي تتردد على كل سمع ، ويرددها كل حيوان ونبات وجماد كما قال تعالى : (ويسبح الرعد بحمده والملائكة) ألا وهو قوله - عليه السلام - : ( لا إله إلا أنت ) وهي كلمة لا يأثم قائلها ، فإذا حلت في مكان حلت البركة ، ونزلت الرحمة ، وقد مر الحديث عنها وما يناسبها من الكلام فيما مضى من أبحاث الكتاب .

​ثم لم يغب عن الحسين - عليه السلام - ذكر المكان الذي هو فيه ، واستحضار المناسبة التي هو فيها وهي أقرب إلى الذهن من غيرها . فقال - عليه السلام - : ( رب البلد الحرام ، والمشعر الحرام ) أما البلد الحرام فهو مكة وما حولها .

​والحديث عن مكة حديث طويل ، ولقد أسهب العلماء في وصفها حتى لم يدعوا شاردة ولا واردة .

​ونقل عن يحيى ابن أبي أنيسة قال مكة هو الحرم كله وبكة هو موضع البيت . وقال زيد ابن أسلم بكة الكعبة والمسجد ومكة ذو طوى وهو بطن الوادي الذي ذكره الله - تعالى - في سورة الفتح ، ولها أسماء غير ذلك .