القنوط كما سبق تفسيره في بحث اللغة هو اليأس من الخير، وهو حالة نفسانية تصل فيها النفس إلى هذه المرحلة المسبوقة بمراحل مختلفة فمنها:
المرحلة الأولى: طول الأمل، وهذه الحالة تؤدي إلى إهمال الإنسان كل شيء تعويلا على المستقبل الغامض، وهذا ناتج عن سوء التصرف والجهل الممقوت.
قال في جامع السعادات: طول الأمل هو أن يقدر ويعتقد بقاءه إلى مدة متمادية، مع رغبته في جميع توابع البقاء، من المال والأهل والدار وغير ذلك، وهو من رذائل قوتي العاقلة والشهوة، إذ الاعتقاد المذكور راجع إلى الجهل المتعلق بالعاقلة، وحبه لجميع توابع البقاء وميله إليه من شعب حب الدنيا. وجهله راجع إلى تعويله إما على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشباب، ولا يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر عشير أهل البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب، أو على صحته وقوته، ويستبعد مجيء الموت فجأة غير بعيد، إذ كل مرض إنما يقع فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا. ولو تفكر هذا الغافل، وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من شباب وشيب وكهولة، ومن شتاء وخريف وصيف وربيع، وليل ونهار، وحضر وسفر، لكان دائما مستشعرا غير غافل عنه، وعظم اشتغاله بالاستعداد له، لكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا بعثاه على الغفلة وطول الأمل، فهو أبدا يظن أن الموت بين يديه، ولا يقدر نزوله ووقوعه فيه، ويشيع الجنائز ولا يقدر أن يشيع جنازته، لأن هذا قد تكرر عليه، وألفه بتكرر مشاهدة موت غيره. وأما موت نفسه، فلم يألفه ولا يتصور أن يألفه، لأنه لم يقع، وإذا وقع لا يقع دفعة أخرى بعده فهو الأول وهو الآخر!
المرحلة الثانية: وهي تعادل الخوف والرجاء عند الإنسان، وهذه المرحلة هي الحالة المثلى التي يمتاز بها المتقون عن غيرهم، حتى أنه لو وزن أحدهما مقابلا للآخر لما رجح هذا على ذاك ذرة واحدة، وهي حالة لا تكون إلا عند من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ووثق بالله ثقة تامة. وقد استوفينا هذا في أبحاث مختلفة سابقة من الكتاب أغنتنا عن الإطالة هنا.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة القنوط واليأس من رحمة الله، وهذه الحالة هي من أخطر الحالات على العبد؛ لأنه من أساء ظنه بربه، وقد ورد في المأثور (إن الله عند ظن عبده فليظن به خيرا). وقد حذر الباري - سبحانه - عباده من أن تعتريهم هذه الحالة التي تضيع الآمال وتذيب الأعمال. فقال - تعالى - في الكتاب العزيز: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ جاء في تفسير هذه الآية: إن الآية شاملة للمشركين، ولا ينبغي أن يرتاب في ذلك، والقول بأن المراد به المشركون خاصة، نظرا إلى سياق الآيات كما نقل عن ابن عباس أقرب إلى القبول من تخصيصه بالمؤمنين. والمراد بالرحمة بقرينة خطاب المذنبين ودعوتهم هو الرحمة المتعلقة بالآخرة دون ما هي أعم. الشاملة للدنيا والآخرة.
ومن المعلوم أن الذي يفتقر إليه المذنبون من شئون رحمة الآخرة بلا واسطة هو المغفرة. فالمراد بالرحمة المغفرة؛ ولذا علل النهي عن القنوط من الرحمة بقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾.
ومن الروايات الواردة في تفسير هذه الآية - كما في مجمع البيان - عن أمير المؤمنين - عليه السلام - انه قال: ما في القرآن آية أوسع من ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... الآية﴾.
وفيه أيضا قيل: هذه الآية يعني قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا ... الآية﴾ نزلت في وحشي قاتل حمزة حين أراد أن يسلم وخاف ألا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم. فقيل يا رسول الله هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال - صلى الله عليه وآله -: بل للمسلمين عامة.
وعن كتاب سعد السعود لابن طاوس نقلا عن تفسير الكلبي: بعث وحشي وجماعة إلى النبي - صلى الله عليه وآله - أنه ما يمنعنا من دينك إلا أننا سمعنا تقرأ في كتابك أن من يدعو مع الله إلها آخر ويقتل النفس ويزني يلق أثاما ويخلد في العذاب ونحن قد فعلنا ذلك كله، فبعث إليهم بقوله - تعالى -: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا﴾ فقالوا: نخاف أن لا نعمل صالحا فبعث إليهم: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فقالوا نخاف أن لا ندخل في المشيئة. فبعث إليهم ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ فجاؤوا وأسلموا.
فقال النبي - صلى الله عليه وآله - لوحشي قاتل حمزة: غيب وجهك عني فإني لا أستطيع النظر إليك، قال: فلحق بالشام فمات في الخمر.
قال المؤلف: مما تقدم يظهر لنا أن القنوط وهو اليأس من الخير لا يمكن أن يخامر قلب المؤمن، لأن هذا ثقته بربه تكفي لنيل الرحمة، فإذا حلت الرحمة إنتفى القنوط كما هو صريح الآية الكريمة الآنفة الذكر. على أن الرحمة التي وسعت كل شيء لا يمكن للإنسان إلا أن يذعن لها وتنفي عن نفسه الوسواس والشكوك ليحل محل ذلك الأمل الذي يداعب خيال الإنسان فإن الذنب وإن كان عظيما فإن الله أعظم من ذلك، وهل يغفر الذنب العظيم إلا العظيم؟
فعن الدر المنثور قال: أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله - يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم.
