يوم الغدير
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تُعد قصيدة "يوم الغدير" المؤرخة في 17 ذي الحجة 1395 هـ (الموافق 20 ديسمبر 1975 م) نصاً أدبياً كلاسيكياً يزاوج بين الاستحضار التاريخي والنقد الاجتماعي اللاذع؛ حيث يستهل الشاعر أبياته بالاحتفاء بواقعة غدير خم وتوثيق الخطبة النبوية ومكانة الإمام علي بن أبي طالب بأسلوب بياني رصين، قبل أن يوظف هذا الحدث كمرجعية قيمية لقياس واقع الأمة المعاصر. وتتجسد القيمة الفكرية للقصيدة في انعطافتها الحادة نحو رثاء الحاضر، حيث ينتقد الشاعر بشدة مظاهر الانحلال الأخلاقي، والانهزام الثقافي، والانجراف خلف التيارات الفكرية الوافدة التي شوهت هوية المجتمع وسلبت أمجاده، لتشكل القصيدة في مجملها صرخة وعي تعكس صراع الهوية بين أصالة الموروث الديني والتردي القيمي والاجتماعي في العصر الحديث.
صوب بطرفك للعلا أوصعد فاليوم عيد بني النبي محمد
يبلى الزمان وانما ذكر الفتى في المجد ان طال المدى يتجدد
المرء يرجو المجد لكن بالهوى والشمس لم تنظر بعين الأرمد
ويعالج البلوى بخلق مماثل ويريد أن يضع الثريا في اليد
هيهات ما مجد يباع ويشترى فطريق مجد المرء غير معبد
لابد أن تعطي بمقدار الذي أخذت يمينك من علا أو سؤدد
وتجود بالنفس التي هي غاية في الجود عن طوع وغير تردد
فلحيدر نفس تقدس شأنها قد عرقت شرفا بطيب المحتد
قد باعها وقد اشتراها ربه فغدا يعرضها لكل مهند
هذا هو المجد المؤثل والذي قد قال للأكوان قومي واقعدي
اليوم يومك ياربيب محمد لا، فهو يومك وهو يوم محمد
قد قيل فيما قيل وهو بداهة (ان المقارن بالمقارن يقتدي)
بل ان يومك يوم كل موحد فبغير نهجك لم يكن بموحد
بل ذاك للدنيا تميس بذكره يا دهر صفق باليدين وغرد
وتحدري ياشمس من كبد السما كي تستنير بك العيون وتهتدي
وتلهبي حمما تسيل على الربى وعلى رؤوس الناكثين توقدي
لترى النبي محمدا وربيبه كالبدر مقترنا بغرة فرقد
الله أكبر أي وصف يرتقي لهما بمدح في الكلام منضد
فهما هما والطي خير للنهى فلربما تأتي بقول مفند
فمحمد قطب الوجود وحيدر لولاه ذاك القطب لم يتجسد
قف سائل الركب الذي ملأ الفلا عما جرى ظهرا بذاك الفدفد
واستنطق الصخر الأصم ولم نجد من قبل خم ناطقا من جلمد
وعلى ضفاف غديره حدق تجد في الماء آيات وان لم يوجد
ينبئك بالحق الصراح وإن غدا حقا مضاعا بين أمس أو غد
فكأنما ذاك الغدير وماؤه مرآة قدس زينت بالعسجد
تعشى العيون ببارق من ومضها والعين ان عشى الضيا لا تهتدي
عكست حوادث ذلك اليوم الذي ظهرت به اكرومة لم تعهد
عقدت على الأعناق بيعة حيدر في مثل ذاك المنتدى والمشهد
لكن أحقاد القلوب دفينة والقلب لولا ما حوى لم يحقد
إن العقول اذا تنزت للهوى واسترشدت سبل الهدى لم ترشد
فحذار زلات العقول فإنها فرش جموح اذ تروح وتغتدي
قف عند ذاك الجمع وهو بمنزل في حيث لا ظل ولا من مورد
نش الصعيد بلاهب الشمس الذي قد سال سيلا من لظى متوقد
فأذاب جندله وسال على الربا فاعجب لسيل لاهب لم يخمد
قف واستمع ماذا يقول محمد في حق حيدرة بذاك المشهد
فخطيب ذاك الجمع تحمل كفه كف البطولة والهدى والسؤدد
كفان عم الخلق فيض نداهما قد رفتا فكساهما الورق الندي
قرنت بواحدة مظاهر رحمة للناس طرا وهي كف محمد
وترى بأخرى الموت برقا خاطفا والبرق مصحوب بصوت مرعد
هي كف من هد الحصون بخيبر والشرك بدد منه أي تبدد
كف حمت دين النبي المصطفى من كل غائلة وخطب أسود
شخصت له الأبصار وهو بمنبر يعلو على هام السهى في مصعد
وصغت له الأسماع يصدع قائلا يا أمتي هذي السعادة فاسعدي
هذا علي وهو أفضل من مشى بعدي فحيوه تحية سيد
هو وارثي وخليفتي فلربما يدعوني الداعي لأصدق مقصد
هيهات هيهات النجاة بغيره فاسترشدي بسناء حيدر ترشدي
واستعصمي بعراه فهي وثيقة وبنهجه في السير لن تتعقدي
واستنزلي الأطيار من أفق السما وبه على هام الثريا فاصعدي
وعلى جبين الدهر خطي خطة للمجد كيلا يغدر الزمن الردي
فالدهر مهما طال في أيامه يفنى ويبقى كل فذ أمجد
كل يزول ولم يزل ذا نضرة مجد الرجال وفخرهم في المحتد
فأجابت الدنيا لقولة ناصح يرجو لأمته بقاء مخلد
وتعانقت تلك الروابي والهوى يستنطق الموتى .. فلا تستبعد
فكلام طه الطهر يحيي أنفسا درست فقال لها النبي تجددي
لكنها عكست مقولة احمد فكأن قول تجددي قول أرقدي!
نامي على الأحقاد نوما هانئا ثم انقضي قولي بقولك تحمدي
وتخبطي عشواء في ظلم الهوى وترصدي للدين أي ترصد
وتتبعي أبناءه وبناته وعلى تعاليم السماء تمردي
يا دهر حدث فالحوادث جمة تدع اللبيب الفذ كالمتبلد
ومهازل تدع العقول بحيرة والعقل لولا الشر لم يتردد
المرء يهفو عند تقبيل الدنا والدن يغمره بفورة مزبد
فاذا تبسم للدنى لعبت به في عقلها بشعاعها المتورد
وعيا .. أبثك من مهازل عصرنا والعصر لولا أهله لم ينقد
إما نظرت فلا ترى غير الهوى هل في الهوى يا صاح نيل المقصد
كم محتس صهباء غطت عقله أو ناعق يشدو بصوت معربد
أو منكر هذا الوجود بجهله وغروره يا ليته لم يوجد
إن قلت دينك فالحياة بدونه مهما تغير وجهها لم تسعد
أوقلت عقلك إن عقلك حاكم فاسترشد العقل المحكم ترشد
أبدت نواجذه ابتسامة هازىء في نظرة جوفاء لم يتجدد
ويقول: رجعي المزاج وإنه لتطور الافكار لم يتعود
فاعجب لهذا الانفلات وانما يتعثر الماشي اذا لم يقصد
كنا نرجي الخير من أفق السما واذا السحائب خلب لم ترعد
خصت حياها عندما خلع الحيا أبناؤنا والنار غب الموقد
وتبدل المطر المليث ركامه خمرا معتقة كسيل مزبد
فتحت عزالي الخمور فهل لنا من منقذ شهم وحر أمجد
وتفجر البركان نارا مرعبا من ذا يقول له وللنار أخمدي
وتفشت الأحزاب وهي دخيلة حتى غدت أحبولة المتصيد
تضع السما والأرض في كف الفتى فإذا نظرت فليس شيء في اليد
أرثيك من وطن تجاوز حده فيما مضى بمكانة لم تجمد
خفقت به الأعلام أعلام التقى ولقد مضت وكأنها لم توجد
قد كان في التاريخ شمس هداية الله اذ غربت ولم تتوقد
فكأنما التاريخ مثل منارة وعلى المنارة مثل نور الفرقد
فتبدلت أيامه البيض التي شعت على الدنيا بليل أسود
واذا استطال الليل مد ظلامه والصب في ظلماته لم يرقد
يرجو الفتى نيل المكارم بالمنى لكنه يرجو بسعي المجتدي
جاءتك (وردة) كي تبث سمومها والسم يفتك بالمريض المجهد
جاءت تعلمك الهوى وبسحرها تعطيك فنا في الهوى لم تعهد
جاءت بمعولها الذي هدمت به ركن المكارم والعلى والسؤدد
وأذابت الأخلاق من أبنائنا ذوب الرصاص على اللظى المتوقد
أبدت مفاتنها وسدد طرفها عن قوس حاجبها سهام مسدد
وتبدل الشرف الرفيع بفعلها نغما على شفة الغرام المفسد
الله كيف تبدلت أحوالنا من عيشة مثلى لعيش أنكد
