يوم الغدير الخالد
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قصيدة "يوم الغدير الخالد". للشيخ عباس الريس هي نص شعري عمودي يزاوج بين الاستحضار التاريخي والواقع المعاصر، حيث يتناول النص في محتواه حادثة "الغدير" ليتخذ منها منطلقاً لمقاربة قضايا الأمة الراهنة. يعتمد الشاعر منهجاً كلاسيكياً في البناء الشعري، إذ يستهل أبياته بالوقوف التقليدي على الأطلال وبث الشكوى، ثم ينتقل لتوثيق الحدث التاريخي بأسلوب سردي شعري، ليوظف ذلك لاحقاً في إسقاطات نقدية تسلط الضوء على التحديات السياسية والاجتماعية الحديثة، بدءاً من انتقاد تراجع القيم الأخلاقية، وصولاً إلى استعراض المآسي السياسية المركزية كالقضية الفلسطينية وما آلت إليه الأوضاع في الشام، ليختتم النص برؤية استشرافية ترتكز على الصبر وانتظار التغيير.
أبيت على مثل القتاد مسهدا أكابد من جمر النوى ما توقدا
فليلي طويل والهموم كثيرة ودمعي غزير بالجفون تصعدا
وأبكي على رسم المنازل بالحمى خلت عندما حادي المنون بها حدا
فكم كان فيها من غصون قد انثنت ومالت اذا هب النسيم تنهدا
وكم روضة بالحي سال بها الردى ومد عليها الماء لونا موردا
فتاهت بها درا وماست تفننا كأن رداها بالجمال تفردا
فهبت بها ريح السموم فأذبلت بها من غصون البان ما كان أملدا
وطار بخارا كل ما كان فوقها نديا ولون الورد قد صار أسودا
فعادت كأن لم تغن بالامس أهلها وما كان طير الخير بالدوح غردا
واضحت كحم في القفار وأرضها سعير ولكن ذكرها قد تجددا
غداة أتاها خير من وطئ الثرى ببحر من الحجاج هاج وأزبدا
فغطى وهادا آنذاك وأجبلا كموج علا فوجا وغيم تلبدا
على غير ماء حط فيها وخضرة ولست ترى للطير وكرا ومقصدا
إذا ما أتاها الركب خال سرا بها كماء الى الوديان سال وعربدا
فما الرمل فيها غير نار توقدت وما الصخر فيها غير جمر تبددا
فكم قائل: خطب جليل وحادث مريب وأمر في البرية قد بدا
ومهما قست أرض فإن بأهلها قلوبا تراها في الصلابة جلمدا
وقد قال هذا قائل ومجرب (لكل امرئ من دهره ماتعودا)
وقام خطيبا والهجيرة حرها قد احمر فيها الصل حتى تمددا
يبلغ ما قد جاء من جهة السما بأن عليا كان بعدك سيدا
ونادت بصوت رددته جوانب من البيد والاجواء طار بها الصدى
وقد كان من فوق الحدائج آخذا يمين علي عندما أرسل الندا
يخال وقد قام الرسول مبلغا منارا على نهر المجرة شيدا
ألا من أنا مولاه هذا وليه وقد كان بعدي للبرية مرشدا
بأمر من الرب الجليل نصبته وليا عليكم فهو أهدى من اهتدى
فوال وليا كان يهوى وليه عليا وعاد(ي) يالهي من اعتدى
فلاقته قوم بالقبول وبعضهم نشوا وتناسوا ما على الناس أكدا
ومثلت المأساة بعد محمد فذاك صداها لا يزال مجددا
فقد غدروا يوم الغدير ونصه وكذب في ما قال طه وفندا
تقدست يايوم الغدير وبوركت رباك ففيها عاتب الله أحمدا
سقاك ركام الغيث وانتعشت على ربوعك أفنان الخلود لتخلدا
لك الله من يوم على الدهر لم يزل حديثا قديما مستمرا مجددا
تعاليت ذكرا إذ تقدست جانبا فلو لاك ذاك اليوم لم يكمل الهدى
هنيئا ابا السبطين بالمنصب الذي به سدت من في الكون عبدا وسيدا
هنيئا بدرب الخير أنت سبيله وأنت الذي من ساعديه تعبدا
ووسعته بالسيف بعد متاعب وحاربت فيه من بغى وتمردا
وناطحت في الهيجاء كل غضنفر وقارعتها رمحا وسيفا مهندا
وكنت على الكفار أعظم نقمة وجدلت منهم أصيدا ثم أصيدا
فأنت الذي أنعشت دين محمد ولكن للرحمن في خلقه (البدا)
أبا حسن شكوى وفي القلب حسرة تصيب عليها العين دمعا لتخمدا
وفي الرأس شيب من تلاعب دهرنا وما الدهر الا قسوة الظلم والعدا
لقد عمت الدنيا من الظلم ظلمة فلست ترى الا ظلوما ومفسدا
تحير فينا المصلحون بأمرهم وأتهم فكر العبقري وأنجدا
فلست ترى في الناس الا مكابرا عنيدا وثرثارا جهولا وملحدا
ومهما تعش فالدهر يعرض نفسه وفيها أعاجيب وان بعد المدى
وسل ساحة الالعاب والفن والهوى وسل مسرح الرقص الجميل الممهدا
وسل ناعسات الطرف أين مقرها اذا المرء للرحمن ليلا تهجدا
وسل قادة الأحزاب حين تجاهلت ومدت لدين الله من حقدها يدا
وسل عن بنات الكرم وهي جهنم إذا ما أتاها الساهرون بمنتدى
وسل عن جميع المغريات فإنها سلاح به الداء الدفين تجسدا
ومهما يكن فالمرء يحصد زرعه (تنصر من بعد الهدى أو تهودا)
أقاتل عمرو في النزال ومرحب وقامع ثورات اليهود أولي العدا
لقد بقيت في الأرض منهم بقية تقارع ما أبلى الطغاة من الهدى
فجرت علينا كل شر ومحنة وصارت فلسطين الضحية والفدا
فواعجبا من زمرة ذات ذلة تعيد لها عزا وملكا موطدا
فها نحن في ذل نلوم دهرنا الغدور وصرنا مطعما لمن اعتدى
فتلك ربوع القدس تنشد حظها من الدهر فالدهر الخؤون تقصدا
وبالمسجد الاقصى العظيم بنية تلح لدى الوضع الذي قد تجددا
فقد غيرت من حسنها وجمالها أولوالعجل في اليوم المشوم تعمدا
وتلك منار الوحي دنسها العدا وكم في نواحيها الكليم ترددا
فكم سال فيها من دم لمناضل وفي وكم جسم عليها تبددا
وأمست ربوع الشام وهي بلاقع وقد أصبحت من قبل للورد معهدا
فيا نفس قري واستقري فربما تزج لك الايام سهما مسددا
فتلك سهام لا تطيش وإنما تصيب اذا ما ساقها سائق الردى
وياعين لا يجدي البكاء بأدمع وإن سال سحا بالخدود وخددا
بكينا من الأرزاء وهي كثيرة فلم نر في أيامنا السود أسعدا
ويا أيها القلب المعذب بالجوى تباريح وجد تترك القلب مكمدا
ولكن امارات بدت وتتابعت قليلا فباب النصر دونك أوصدا
وما خلت أن الله يخذل حزبه بحرب ولكن سوف ينصرهم غدا
