الحق المغدور
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تُعد قصيدة "الحق المغدور"، المنظومة بتاريخ 17 ذي الحجة 1388هـ، نصاً شعرياً عمودياً ذا طابع عقائدي وتاريخي، يُوثق لواقعة "غدير خم" وما تلاها من تداعيات في الذاكرة الإسلامية. يوظف الشاعر بنية القصيدة العربية الكلاسيكية ذات الوزن الموحد والقافية الرائية المضمومة لبناء سردية شعرية تدمج بين الوصف الوجداني والاحتجاج الديني، حيث يستعرض التكليف الإلهي وإعلان النبي محمد (ص) لولاية الإمام علي بن أبي طالب (ع)، مستخدماً تناصاً مباشراً مع الموروث الحديثي (حديث الولاية). وإلى جانب الإشادة بمناقب الإمام وتضحياته في بناء صرح الإسلام، يبرز في النص خطاب نقدي حجاجي يندد بظاهرة الجحود والتنكر لهذا "الحق" التاريخي بعد وفاة النبي، مما يجعل القصيدة وثيقة أدبية تعكس الالتزام العقائدي للشاعر وتوظف التراث التاريخي والمحسنات البديعية لخدمة رؤيته الأيديولوجية ضمن قالب أدبي رصين.
آياتُ ذكرك لم تزل تتكرّرُ نغماً على شفة الزمان وتُذكرُ
ورنين صوتك في مسامع أهلهِ وحيٌ ولكن أين من يتفكّرُ
آنستُ من وادي الحمى أنشودة والقلب ينجد للغرام ويصحرُ
رقصت لها الأطيار فوق غصونها ولكم شدا عودٌ ورجّعَ مزهرُ
وبراعمٌ هبّتْ بها ريح الصبا والكل من تلك البراعم يقطرُ
وتفتّح الورد الجميل فأعبقت من نفثه طيباً ولكن أذفرُ
وتغيرت صور الحياة وإنها صور الجمال تريك كيف تصوَّرُ
والراقصات تبخرت في أفقها طرباً وكانت قبل لا تتبخرُ
حدّث بروحٍ عن نفوس أولي النهى يرويه من لم يكذبوا ويزوّروا
تاريخه يوم الغدير فإنه يوم به ساد البرية حيدرُ
يوم أطلَّ على الرسول بدربه والمسلمين المهتدين فكبّروا
وتباشرت تلك النفوس بما جرى ولقد رأيت بأن ذلك يجدرُ
نزل الأمين لأحمدٍ برسالةٍ والأرض قفر والهجيرةُ تصهرُ
ملأ السراب فجاجها فكأنها طبقات ماء في الخيال وأبحرُ
ما مرّ فيها العيس الا وانثنى واري اللهى والآل بحر يزخرُ
تلك الاماني للفتى يجعلنه ملكاً ولكن نيلها يتعسّرُ
لا يبلغ المجد الفتى بخيالهِ إنَّ الخيال لفكرة تتبخرُ
ويضيع عمر المرء حتى أنه يحيا على ذاك الخيال ويُقبرُ
بلِّغ رسالته وإلا لم تكنْ بلّغتَ في علم الهدى ما تُؤمرُ
قل للبرية بعد يومك إنّهم فلك يدور وأمر حيدر محورُ
وأشاع في دنيا الحجيج بأنّه أمرٌ وتنفيذ الأوامر أجدرُ
حطّوا ولكن لم يكن من ملجأ فالصخر جمر والرمال تسعّرُ
وجرى خفوق في القلوب لأنها قد اضمرت حقداً به تتفجرُ
ورنت له تلك العيون فليتها من بعد مابصرتْ به لا تُبصرُ
لكنما تعمى القلوب وانما في القلب نور منه عينك تنظرُ
كتلٌ من البشر الذين تجمعوا حول الرسول وعدّهم لا يُحصرُ
كلٌّ تناسى ماله قد أوقفوا بالله قل لي كيف ذلك يُغدرُ
الشمس يحجبها السحاب لفترةٍ فتمزق السحب الكثيف وتظهرُ
(أمرٌ كما قال البداهة قائل النور نور) ليس ذلك يُنكرُ
ومن الشذوذ بأن تكون مكابراً فيه فيومُ غدير خُمٍّ أكبرُ
ورقى من الأحداج احمد منبراً قد كان رمز الدين ذاك المنبرُ
فتخاله وتخال طه فوقه ناراً على علمٍ أشم تنوّرُ
بل شمس قدس يستضاء بنورها والعين إن قذيت به قد تقهرُ
بل نور رب العالمين وانه عين الهدى لو كان ثَمّةَ مُبصرُ
واذا اعترت عين البصيرة غفوةٌ بدت النواظر في عمىً لا تشعرُ
وكذلك الحق المشين لأهله يعدو ويقتل أهله ويدمّرُ
ونتائج العقل السليم صحيحة ان أتقنَ الانسانُ كيف يفكّرُ
هل تطربُ الصبّ المتيم بومةٌ ؟ والعندليبُ بصوته هل يُنكرُ ؟
وأطلَّ في الجمع الغفير وكفُّه شُفعتْ بكفٍّ بعد ذاك سَتُوتَرُ
لم يخلقِ الرحمنُ أجمل منظراً من حيدرٍ في جنب طه يخطرُ
يا منظراً سلب القلوب بسحره لم يبدُ للرائين مثلك منظرُ
منن من الرحمن يعسر عدها لكنما نكرانها لا يعسرُ
سبحانك اللهم قد أكرمتنا بمحمد فهو البشير المنذرُ
نادى فكان نداؤه في نبرة منها لتنتعش القلوبُ وتسكرُ
(من كنت مولاهُ فهذا حيدر مولاه)هذا أمر ربي فاذكروا
لا تحسدوه فانه هو خيركم وحذارِ من أن تغدروه فتكفروا
فاخذلْ الهي مَنْ بحيدرَ يغدرُ وانصر الهي مَنْ لحيدرَ ينصرُ
واشهد عليهم انني بلغتهم في شأن حيدر واجباً فتدبروا
أوضحتُ للحق الصراح طريقكم وجعلتُ حيدر للطريق يؤشّرُ
قم سائلِ النفر الأولى قد بخبخوا وتجاهلوا الحق المبين وأنكروا
كيف استطاعوا نكر كل حقيقةٍ وهي الغزالة في الضحى بل أنورُ
كيف استطاعوا جحد كل فضيلةٍ من دونها أم الفضائل تقصرُ
حتى الغدير رأوه وهو حقيقة حلماً يطوف على العقول ويعبرُ
لله حقٌّ قد أُضيعَ وانه قبس يضيء به القلوب وتزهرُ
هو شمس قدس غير أن سناءها بالكفر والحقد اللئيم مدثّرُ
يا باني الاسلام صرحاً شامخاً ومبيد آساد الوغى اذ تزأرُ
ومكسّر الاصنام حيث تجمعتْ فكم استغاث يغوث وهو يزمجرُ
بك يستغيث الدين من فعل الأُلى قد نافقوا في قولهم وتآمروا
فارحم صريخاً ضج محترق الحشى عبثاً يجيل الطرف وهو محيّرُ
واحفظ بقيته التي قد أصبحت لولا بقيتكم - محمّد - تهجرُ
ياصاحب الفتح المبين وانما بجهاد مثلك يبتنى ويعمّرُ
قم وانظر الدرب الذي عبدته بمعاركٍ ناجاك فيها الأبترُ
نعب الغراب ويالشؤم نعيبه ببني الهدى فتراجعوا وتقهقروا
ساروا على الدرب الطويل وما دروا فالدرب فيه تعرّجٌ وتعثرُ
ومشوا على ذاك التعرّج ولّهاً فتشتتوا فاستضعفوا فتحيروا
