أين الغدير
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تُعد قصيدة "أين الغدير" نصاً أدبياً متعدد الأبعاد يمزج بين الالتزام العقائدي والوعي السياسي المتقد؛ حيث تنطلق من استدعاء حادثة غدير خم لتوثيق المكانة التاريخية والروحية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، قبل أن تتحول إلى مقاربة نقدية صارمة تقرأ تداعيات التنكر لتلك العهود على امتداد التاريخ. وتبرز القيمة الفكرية للقصيدة في التفاتة الشاعر العميقة لربط هذا الانحراف التاريخي بالواقع المأساوي المعاصر للأمة، مسلطاً الضوء بأسلوب نقدي لاذع على أزمات التمزق العربي، والانهزام النفسي، والتبعية العمياء للمحاور الدولية (الشرق والغرب)، وما تمخض عنها من تداعيات جيوسياسية خطيرة كزرع الكيان ، لتشكل الأبيات في مجملها وثيقة شعرية ترثي حال الأمة وتستنهض وعيها عبر الجمع بين أصالة الانتماء ومرارة النقد الواقعي.
آيات فضلك ساقها التنزيل والشمس نور ماله تعليل
بل نور قدسك كان أجلى مظهرا والقول في هذا المقام يطول
الشمس يحجبها السحاب لفترة وظهورها بزواله ممطول
ويلفها الليل البهيم بأسرها ويعود ذاك الليل وهو طويل
الشمس شمسك اذ تشع على الورى ولها بأفئدة الأنام سبيل
نور يضيء بقلب كل موحد فيزول منه الشك والتضليل
جاءت صفاتك من صفات محمد لين يسيل وصارم مسلول
فاسأل مآثره تجبك فكلها لسن تشير لفضله وتقول
(واذا استطال الشيء قام بنفسه) والطود للمسترشدين دليل
عفوا أمير المؤمنين فإنني لعبت بعقلي في هواك شمول
السكر جرم غير أن بحبكم سكر العقول مبرر معقول
والفخر عيب غير أن ولاءكم فخر يعز المرء وهو ذليل
ولرب عقل زال من ضغط الهوى والمرء يخدع بالهوى فيزول
لكنما بهواكم تحيا النهى فهواكم عند العقول جميل
والحب إن فقد الجمال فإنه عند الورى وأولي الحجى ترجيل
والله أكرمنا بحبكم الذي هو نعمة للدهر ليس تزول
قد حثني شوقي لذكر مآثر لم يحصها الإجمال والتفصيل
قد عمت الكون الرحيب بذكرها فكأنها في الخافقين نزيل
هي غر أفعال اذا استقريتها يرتد عنها الطرف وهو كليل
تلك المناصب هيأته لمنصب في الناس جاء بنصه التنزيل
وتحدثت أرض الجزيرة بالذي في يوم (خم) قاله جبريل
واذا استفز النفس قول مصدق أمسى وليس لقوله تبديل
فاسمع ولا تعجب ورب عجيبة تغشى الفؤاد فيعتريه ذهول
قف حاسب التاريخ عن هفواته واحذره فهو الأرقط الزهلول
واقرأ به العجب الذي من شأنه يبكي السليم ويضحك المثكول
المرء يفخر بالقديم لأنه فرع نمته للفخار أصول
هذا هو التاريخ إن رضيت به نفس فذاك المنطق المهزول
ولديك معيار فقس مضمونه فكتاب ربك للأنام دليل
أنعيد عهد الجاهلية مظلما باسم التقدم .. إن ذاك وبيل
لنكون أذنابا لكل مهوس الله كيف يفسر التذييل
أين الغدير وأين موقف أحمد من حيدر يوم الغدير يقول
(من كنت مولاه فذا مولى له) لا يقبل التبرير والتأويل
هذا علي وهو وارث حكمتي بعدي وعلمي والزمان طويل
هو كاشف الكرب الذي قد نالني في كل خطب بالردى مأهول
لولاه ما قام العماد ولم يكن لرسالتي من دونه تكميل
هو نور قومي إن مضيت وجاءني داع من الباري وحان رحيل
ان سادكم سدتم به أمم الورى والنفس تطمح للعلا وتميل
فولاؤه حبل النجاة لأنه بعوالم قدسية موصول
فحذار من أن تغدروه فإنما غدر الفتى عند الكرام مهول
وتتبعوا خطواته وترسموا لطريقه إن الطريق طويل
والدرب ان طالت وأظلم طيها فالسالكون لذي الطريق قليل
والحبل ان لم يتصل بولائه يوم الجزاء فانه محلول
(والنفس ان رضيت بذلك أو أبت) فلحكمه عمل العباد يؤول
ومن الكبائر في الزمان بأن ترى ظلم تعم فيخمد القنديل
ما أنصفتك أبا الحسين عصابة بين الورى والمنصفون قليل
نصبت عداءك اذ رفعت مكانة فكأن حكم الفاعل المفعول
قد نكرت علما وذلك منكر وبني لدين محمد مجهول
وتذكرت في يوم بدر منظرا فيه لعضبك بارق وصليل
حتى اذا هزل الزمان وأهله ودعاه داعي الجد وهو هزيل
لبس العواطف فوق معطفه الذي قد كان مقلوبا وعاد يصول
واذا العواطف في النفوس تحركت غطى على أفكارها التضليل
حدث بدهرك ان فيه غرائبا لو رامها رضوى لكان يميل
عمت على الدنيا بظلمة ليلها والليل ان ضحك الصباح يزول
لكنما ليل المآثم مزمع والخطب ليس يزيله تهويل
نجتر منه كل يوم علقما والدهر في أرزائه تشكيل
فكأنما خلق الأنام لمحنة وبها الشقاء معرف موكول
لهبوط اخلاق وفعل جرائم من أجلها يحيا ويفنى الجيل
النفس نفسك في الحياة يزينها ترويضها ويشينها التدليل
سل من أقاموا للحياة صروحها ومضوا وذكرهم لديك جميل
وتغنت الدنيا بخالد مجدهم والمجد عن تخليدهم مسؤول
هل أغرت القوم الحياة بلهوها فاللهو عند الماجدين مهول
المجد لا يبنى بتقبيل الدنا إن الميوعة عامل مشلول
المجد ليس على المسارح لا ولا بين الأزقة بالهوى مشمول
المجد يقتله ويبكي قتله خد لبايعة الغرام أسيل
تاريخ مجد المرء ينطق قائلا إن المهالك للنجاة سبيل
عشرون من دول العروبة أصبحت في كف من هو كفه مغلول
عصروهم عصرا فذلك أمرهم دمهم على أوطانهم مطلول
قد عثرت آمالنا في معرك بل قد تلاشى عندنا المأمول
حفظوا كتابهم فآزر نصرهم وعلا على هاماتهم أكليل
والمسلمون تمزقوا وتحاقدوا والقال همهم غدا والقيل
كم نعمة سلبت وذلك ظاهر والله ليس لأمره تبديل
غضب ألم بنا فأصبح شملنا بددا سيعقبه بنا تنكيل
والمرء ان لم يتعظ بنصيحة فحسابه يوم الحساب طويل
لا يقبل الفوضى الزمان وانما عمر الفتى ضمن الزمان دخيل
نبكي فيبكي حولنا أعداؤنا فكأنما ذاك العدو خليل
فندور نحو الغرب نطلب نجدة فيصم عنا أذنه ويميل
ونعود نحو الشرق وهو مراوغ ولديه ذاك المنطق المعسول
تجري الوعود لنا فنحسن ظننا بالجانبين ووعدهم تمهيل
نتقبل الوعد الذي لا ينقضي والكذب من أعدائنا مقبول
حتى اذا حمي الوغى وتوقدت نار بها لهب الحمام يسيل
أدركت ماذا أضمروه وانما ذاك اللهيب بوعدهم مشعول
ورأيت نار الحرب نحن وقودها وكأنما هم للوقود فتيل
قد جاءهم ألم المخاض وأولدوا مولود شر وهو إسرائيل
ولدته أم الغرب فوق ديارنا والابن هذا أصله مجهول
حتى ادعاه الشرق من أبنائه والشرق في جمع النغول أصيل
فاذا وضعت على الحروف نقاطها قالوا بأنك خائن وعميل
لكنها هي لعبة دولية ما كان يعرف في الدمى التدويل
