يوم الغدير سل حصون خيبر

الشيخ عباس الريس 

تُعد قصيدة "يوم الغدير" (سل حصون خيبر) نصاً شعرياً عمودياً ينتمي إلى أدب المناقب والمديح العقائدي، حيث يزاوج الشاعر فيها بين البناء الفني للقصيدة العربية الكلاسيكية التي تستهل بمقدمة وجدانية وتأملية، وبين الغاية الأيديولوجية المتمثلة في توثيق واستحضار واقعة "غدير خم". وتنهض البنية الدلالية للنص على استدعاء الشواهد التاريخية لبطولات الإمام علي بن أبي طالب (ع)، كدوره المحوري في فتح خيبر ومقارعة الشرك، إلى جانب إبراز زهده وعبادته الليلية، لتشكيل نسق حجاجي يؤكد استحقاقه الديني والسياسي للولاية استناداً للنص النبوي. وتبرز القيمة الموضوعية للقصيدة في تبنيها موقفاً عقدياً واعياً ومزدوجاً؛ فهي لا تكتفي بالتنديد بالتيارات الجاحدة لحق الولاية فحسب، بل تستنكر بشدة في خواتيمها حركات الغلو والتطرف التي أفضت إلى تأليه الإمام، مما يجعل النص وثيقة أدبية توظف الذاكرة التاريخية والموروث الديني لتقديم رؤية إسلامية متوازنة ضمن قالب إيقاعي رصين وقافية هائية مشبعة تتناغم مع جلال الموقف.

تروم ريم الفلا والأطم مأواهُ    أو ترتجي وصله والاسد ترعاهُ

وحوله كل ذي حدٍّ له شررٌ    يطير بالنفس ان همّت لتلقاهُ

إن المعالي لا ترضى بمن قصرتْ    في الجدّ للغرض المنشود يُمناهُ

اعوذ بالله من خلق بلا خلقٍ    كان المهيمن أرواه فأوراهُ

ليت الهوى لا سقاني راحـه أبداً    والقلب لا ناله تعذيب بلواهُ

يا واحد الحُسن حيث الدار نائية    أرفق بمن نضبت في الحب عيناهُ

ان الجوى كان في كأس الهوى ولعاً    لا يشتكيه محب كان يهواهُ

هو الهوى كلما حاولت أكتمه    بدا لدى العين من قد كنت أهواهُ

هل تعرف الحب ما معناه أو خطرت    عليك أولاه أو تأويل أخراهُ

فالحاء تخرج من قلب المصاب به    والباء تملأ في اخراجها فاهُ

يا صاح كيف بنا والحب قاتلنا    في عصبة بهم قد خصنا اللهُ

همُ بنو الوحي والآل الذين بهم    قام الهدى واستقرَّ العز والجاهُ

يا راكباً شدّ قتباً ان مررت على    أرض الحجاز فقل طوبى لسكناهُ

وحيِّ عني ربوعاً أمرعْت ونمت    بها الخمائل واختالت بصحراهُ

يا روضة المجد في خُمٍّ تعهدكِ    صوب الحيا ما هما وانصبَّ أنواهُ

حللتِ من كل قلب مغفلاً أبداً    وكل عقل بك الجبار حلاّهُ

يا برعم الدين فيها قُصَّ ما شهدت    يمناك ما هو هذا النص قل ما هُوَ ؟

غداة عاد رسول الله يغمره    موج الحجيج ببرٍّ طال بيداهُ

يخالها كل ذي سغب وذي ظمأ    من آلها كخِضَمٍّ طاشَ مجراهُ

والشمس قد أرسلت من فوقهم حمماً    ذابت له من صخور الارض صُمّاهُ

حط الرحال بخُمٍّ والملا زمرٌ    والامر جد خطير جلَّ معناهُ

يا ربَّ يوم جليل القدر كلله    طول المدى طارف الذكرى وأحياهُ

أقام بينهم الاحداج مرتفعاً    يحصي روابي الفلا لمّا تعلاّهُ

وجرَّ من خلفه ذاك الهمام وفي    عين الأنام تجلّى نور مرآهُ

شمسٌ وشمسٌ وشمسٌ ليس ينكرها    الاّ الذي صمَّهُ الباري وأعماهُ

ذُكاءُ والمصطفى والطهرُ حيدرةٌ    مَنْ عمْرُه في سبيل الله أمضاهُ

وقام خير الورى يدعو بهم أفمن    مولاه كنت فهذا كان مولاهُ

فوالِ يا ربَّ من والى أبا حسنٍ    وعادِ يا ربَّ مَن في الناس عاداهُ

هذا عليٌّ وصييَّ بعد مفتقدي    فهو الذي ما بدا الإسلام لولاهُ

لولاه ما عُبِدَ الرحمنُ من بشرٍ    وعاد كل امريءٍ في ميل أهواهُ

سل حصن خيبر من قاد الخميس ومن    مشى لمرحب مختالاً فأرداهُ

من دكدك الشرك في عمرو بضربته    غَشّاهُ اذ كانت الابطال تخشاهُ

من كان يحيي بهيمَ الليل في أرقٍ    يدعو بأدمعه ربّاهُ ربّاهُ

سل هل أتى من أتى بالمعجزات وعن    صفاته كُلَّ أشداقٍ وأفواهُ

فُديتَ يا من فدتك النفس من وطأت    على بساط إله العرش جلاهُ

يا أول الواردين الحوض يوم غدٍ    ويلٌ لجاحد خُمٍّ فيك ويلاهُ

لولاك ما طلعتْ شمس على بشر    ولا الحيا حلَّ في قفر فأحياهُ

لم عصبةٌ خرجت عن دينها وغدتْ    تدعو بفضلك جهلاً أنّكَ اللهُ

قاسوك بالله اذ لا يعرفون له    قدراً ولم يتقوهُ حقَّ تقواهُ

شرعتَ للناس منهاجاً لو اتبعوا    ما جاء فيه لما ضلّوا وما تاهوا