يوم الغدير لا يصلح الاسلام دون مؤمر
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قصيدة "يوم الغدير: لا يصلح الاسلام دون مؤمر" هي ملحمة شعرية تستنطق المكان (الغميم) والزمان لتوثيق واحدة من أهم المحطات في التاريخ الإسلامي. تبرز القصيدة قوة الوصف المادي للبيئة الصحراوية القاسية التي شهدت توقف الركب النبوي، لتنتقل بانسيابية إلى استعراض خطبة الوداع وإعلان الولاية للإمام علي بن أبي طالب. وتتجلى براعة الشاعر في استحضاره للأمم السابقة الجبارة (كالفراعنة وعاد وثمود) ومصيرها المحتوم، ليضعها في مقارنة مع الخلود الحقيقي الذي يُبنى على الإيمان والولاء الصادق، مؤكداً في ختامها أن صلاح الأمة واستقامتها مرهونان بالتمسك بهذا العهد العقائدي والتاريخي.
قف بالغميم مهللا ومكبرا والثم بجفنك خاضعا ذاك الثرى
رمل بواديه غدت حباته شهداء عدل لا حديثا مفترى
والصمت قد يغدو دليلا صارخا ان لم يفه طلق اللسان بما جرى
ومن الجماد شواهد ومشاهد تذر اللبيب أمامها متحيرا
ومن العجائب أن ترى صم الصفا لسنا يشنف مسمعا قد أوقرا
شهدت رمال البيد يوم فضيلة قد بات ما بين البرية منكرا
خلق الزمان عداوة ومهانة الله أعلم لم أقل متهورا
لا تعجبن لما سمعت فإنما ذمم الرجال بها تباع وتشترى
فاسمع حديث محمد في حيدر فحديث ذاك اليوم ليس مزورا
ضجت له تلك الشعاب ورددت جنباتها ما قاله خير الورى
رجع النبي مع الحجيج ميمما أكناف طيبة تاركا أم القرى
وبه الهواجس اذ يعود لطيبة هل من إياب بعد ذلك يا ترى ؟!
فكأنه نعيت بذلك نفسه والله يحكم في الخلائق ما يرى
ووراءه من كل فج زمرة حشد الجياع الساغبات على القرى
والأفق يلفحه السموم فلا ترى غير السراب به يخادع منظرا
والشمس سافرة الحجاب فوجهها يرتد عنه الناظرون تحسرا
فالطرف لا يقوى فينظر نورها والرجل لا تقوى لكي تطأ الثرى
فسياطها تهوي فتحطم شمها لو لامست صم الصفا لتفطرا
وأطارت الربوات حتى أصبحت تلك الربى سهلا وبرا مقفرا
في مثل ذلك عاد ركب محمد دفعته بالبيد التلال فأصحرا
نزل الأمين وعنده أمر السما فلقد جرى قلم القدير بما جرى
قف يا محمد حيث أنت فإنني قد جئت بالأمر الذي شمل الورى
سعدت وفازت أمة أخذت به إن السعادة فيه عالية الذرى
إنصب عليا في البرية حاكما لينير ليلهم اذا جد السرى
وتسود أمتك الأنام ولم تزل في عزة ذي قوة لن تقهرا
تحتل بين الخافقين بعزمها وتخط للإنسان نهجا نيرا
وتعبد الدنيا بطاعة حيدر الله أكبر لو أطاعت حيدرا
فالأرض تطفح بالكنوز عليهم والأفق بالخيرات يصبح ممطرا
والطير في أفق السماء تجيبهم لو كلموها في النزول على الثرى
يبني الفتى مجدا يروق برأيه ويعود فيما قد بنى متحيرا
أمر النبي لينزلوا كي يصعدوا شرفا ولولا ذلكم لن يأمرا
حطوا بعالية الهجير كأنها جمر الغضا ترمي شواظا أحمرا
نزلوا ولكن لا مياه وسويت أحداجهم شوقا لذلك منبرا
وعلاه طه كي يبلغ ما أتى من ربه فهو الأمين على الورى
يروي حديث الدهر وهو معاند لأولي الحجى .. الله ذاك معبرا
فاسمع وقل عجبا فرب عجيبة تركت فؤاد المرء شيئا مزدرى
وقف النبي وحوله ملء الفضا ذاك الحجيج كأنه سيل جرى
ونعى لهم نفسا يعز على الورى فقدانها فوجا القلوب وقطرا
يا قوم يوشك أن أجيب ولم أزل لنداء ربي بالإجابة أجدرا
ان الألى هلكوا بسوء فعالهم أولى لكل منهم أن يقبرا
نسيتهم الدنيا وأصبح ذكرهم هملا فليت فعالهم لن تذكرا
فرعون مصر قد بنى لمماته هرما يفوق الراسيات تكبرا
وتجبر النمرود حتى قد أتى نكرا فبعدا ما أتاه تجبرا
وفعال عاد اذ يحاول جنة يبني ويكسوها غشاء أصفرا
خسفت به أرم فأصبح ذكره من بعد غاشية الحمام منكرا
المرء يستمري الحياة بمرها فاذا تغير ما جناه تغيرا
هذا علي وهو نفسي بينكم لا تنكروه فانه لن ينكرا
هذا أخي وله جميع مراتبي الا النبوة لا شكوك ولا مرا
فله من الرب الجليل مكارم والشمس في أفق السما لن تسترا
هو أول هو آخر هو ظاهر هو باطن أحرى به أن ينصرا
لا يعرف الايمان الا باسمه وله غدا الحق الصراح مؤشرا
الشمس يسترها السحاب ولم يزل بضيائها الأفق المحجب نيرا
من كنت مولاه فمولاه الذي في كفه كفي وربكم يرى
يارب وال وليه فهو الذي لولاه دينك في الورى لن ينشرا
يا رب عاد عدوه فعدوه أحرى به أعماله أن يخسرا
لولا علي لم يكن من سيد بعدي يرد الخطب يوما إن عرا
فتمسكوا بولاه إن ولاءه يهدي من استهدى به وتبصرا
لا يصلح الاسلام دون مؤمر وتراه يأبى من بغى وتأمرا
فالأمر فوضى لا يجيء بحكمه والحق يأبى أن يباح ويهدرا
