الغلاف الجوي

الشيخ عباس الريس 


أما قوله - عليه السلام - : ( وسد الهواء بالسماء ) فالسماء تعني كل ما يعلو الإنسان من سقف ومن سحاب ومن هواء وهي مأخوذة من السمو والرفعة ، وعند الحديث عن معنى هذه العبارة نراها مرتبطة كل الإرتباط بموضوع علمي بحت وهو موضوع الغلاف الجوي . وهنا نريد أن نقف وقفة تأمل للنظر في ما قاله العلماء حول جو الأرض . فقد قالوا فيه إنه بحر من هواء نعيش في أعماقه ، والأرض كرة تلفها قشرة من صخر ، وتلف أكثر الصخر - كما قلنا - طبقة من ماء ، وتلف الصخر والماء جميعا طبقة من هواء ، وهي طبقة من غاز سميكة كالبحر ، ونحن والحيوان والنبات نعيش في هذه الأعماق هائمين بالذي فيها .

​فمن الهواء نستمد أنفاسنا من أكسجينه ، ومن الهواء يبني النبات جسمه ، من كربونه بل من أكسيد كربونه ، ذلك الذي يسميه الكيماويون ثاني أكسيد الكربون ، يبني النبات جسمه من أكسيد الفحم هذا ، ونحن نأكل النبات ونأكل الحيوان الذي يأكل النبات ، ومن كليهما نبني أجسامنا ، ومن هنا نشأت شبهة ( الآكل والمأكول ) عند بعض الملاحدة ، ولكن ليس هذا محلها فليرجع إليها من أراد في الكتب الكلامية المطولة .

​بقي من غازات الهواء النتروجين ، أي الأزوت ، فهذا لتخفيف الأكسجين حتى لا نحترق بأنفاسنا ، وبقي بخار الماء ، وهذا لترطيب الهواء ، وبقيت طائفة من غازات مختلفة توجد فيه بمقادير قليلة هي في غير ترتيب : الأرجون والهليوم والنيون ، وغيرها ، ثم الايدروجين وهذه تخلفت على الأكثر في الهواء من بقايا خلقة الأرض الأولى . ونحن في هذه الأعمار سعداء من بين هذه العناصر ، ذلك ضغط هذا الهواء في هذه الأعمار إنه يضغط على كل شيء ، وعلى أجسامنا بثقل منه نحو من كيلوغرام على السنتيمتر المربع الواحد من جلودنا وظاهر أغشيتنا ، وهذا الضغط يخفض علينا دماءنا وماءنا وعلى سائر الحيوان .

​وإن تعجب فعجب أنه لولا هذا الهواء الذي يلف الارض لرأينا نجوم السماء نهارا جهارا ، نقاط من ضياء في صحيفة من السماء سوداء ، ورأينا الشمس على هذه الصحيفة السوداء قرصا أبيض لا أقل ولا أكثر .

​إن الهواء هو الذي يبعثر ضوء الشمس نهارا فيحجب عنا أضواء تأتي من نجوم السماء وهو يرينا السماء بيضاء ، وما هي ببيضاء ، إن الذي إبيض إنما هو هذه الطبقة من الهواء .

​وإذا نحن علونا في الهواء حتى تركناه وراءنا نهارا إذا لوجدنا أنفسنا في ظلام واستحال النهار بدون هواء إلى ليل . وتراءت النجوم في السماء كما تتراءى في سماء ليل ، والشمس نفسها تتراءى كنجم في قرص كبير ، ومن حولها سواد إنه سواء الليل ، إنه سواد بنهار . أرأيت أعجب من هذا نهار في ليل وليل في نهار .

​وإذا كان الوضع الطبيعي لهذا الكون يجمع كثيرا من الأشياء المتقابلة ويؤلف بين الأشياء المتنافرة فلا غرابة إذا من الأدباء العرب عندما إنسجموا في هذا الوضع فقال في ذلك شاعر الدعدية :

فالوجه مثل الصبح مبلج والشعر مثل الليل مسود

ضدان لما إستجمعا حسنا والضد يظهر حسنه الضد

​ويقول الآخر :

قامت تظللني عن الشمس نفس أعز علي من نفسي

قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني عن الشمس

​أرأيت الأديب كيف يكون عالما فيلسوفا وإلى الفيلسوف كيف يكون أديبا ، إنها الطبيعة البشرية المنسجمة مع طبيعة هذا الكون .

​ثم أرأيت كيف يأتينا الحسين - عليه السلام - وسائر الأئمة بكل جديد من العلوم التي تسابق الزمن ولكنها لا تزال تلهث وراء كلامهم عاجزة . ونتحدث أيضا عن طبقة هذا الهواء ، ونتحدث عن صعودنا فيها حتى نفوتها ، فكم نصعد حتى نفوتها ؟

​إن الهواء يخف كلما صعدنا ؛ لأن جاذبية الارض له تقل كلما بعد عنها ، والضغط يقل ، ولو أن ضغط الهواء كان واحدا إذا لكان سمك الهواء نحوا من خمسة أميال . ولكن تخففه هذا المتدرج يصل به إلى نحو من ٥٠٠ ميل . ولكنه قبل ذلك يتخفف تخففا كبيرا وهو من بعد ذلك يقل قلة تقرب من العدم .

​إن قطر الأرض عند خط إستوائها يبلغ نحو ٨٠٠٠ ميل . فقطرها مع غلافها الهوائي يبلغ إذا نحو ٩٠٠٠ ميل .

​وبناء على ما تقدم نستطيع أن نقرر وجهين لا ثالث لهما :

​الوجه الأول : أن سد الهواء بالسماء يعني أن السماء تكون حاجزا بين الهواء وبين أن يتسرب إلى متاهات الكون اللا نهائي ، وبذلك تفقد الأرض ومن عليها من حيوان ونبات كل مقومات الحياة ؛ وذلك لأن الهواء بجميع عناصره كما تقدم مفصلا من أكثر الضرورات مساسا بحياة من يعيش على وجه الأرض ، فإذا ما فقد هذا المقوم الضروري فإن الحياة ستنتهي حتما .

​الوجه الثاني : هو أن السماء إذا أخذناها ببساطة معناها وهي كل ما يعلو الإنسان ، فإن السماء ستكون حاجزا بين الأرض وما عليها من إنسان وحيوان ونبات ؛ لتمنع ما كان مضرا من عناصر الهواء الذي ينقل الأشعة الشمسية إلى الأرض ، فيسمح ما بما كان ضروريا منها للحياة ، ويمنع ما كان مضرا بها كالأشعة فوق البنفسجية التي تمنع بواسطة ( غاز الأوزون ) الذي يطفو فوق الغلاف الجوي ليكون حاجزا لهذه الأشعة ، وهو أول طبقة من الغلاف الجوي مما يلي الكون اللا نهائي ، فيكون هذا النوع من الغاز بمنزلة المصفاة التي تغربل الأشعة فتحجز منها ما كان مضرا وتسمح بما كان ضروريا . وبذلك يظهر معنى قوله - عليه السلام - : ( وسد الهواء بالسماء ) .

​أما قوله - عليه السلام - : ( يا من له أكرم الأسماء ) فالكريم معناه العزيز ، ويقال : فلان أكرم علي من فلان ، أي أعز منه . ومنه قوله - عز وجل - : ﴿إنه لقرآن كريم﴾ وكذلك قوله - عز وجل - : ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ومعنى آخر أنه الجواد المفضل ، ويقال : رجل كريم أي جواد .

​وقد توسل - عليه السلام - بأكرم أسماء الله ، وكل أسمائه كريمة تستحق أن يتخذها الإنسان وسيلة بين يدي حاجاته .

​ومما يظهر من هذه العبارة أن هناك أسماء مشتركة بين الله وبين خلقه وهي التي تحمل معاني الصفات كالكريم والرحيم والعزيز . وهناك أسماء أخرى خاصة يسمى بها - سبحانه - دون غيره من سائر خلقه مثل : الرحمن والديان والقدوس والمتكبر والخالق والباريء فإنها أسماء لا يسمى بها غيره وهذا ما يؤيده ما جاء في العبارة من الضمير المجرور باللأم ( له ) فإنها تدل على الملكية ، وذلك يعني أن هناك أسماء أكرم على الله من غيرها ؛ لأن ( أكرم ) تدل على التفاوت والتفضيل .

​ومما ورد في هذا المعنى عن أهل البيت - عليهم السلام - ما روي في مرفوعة أبي هاشم الجعفري قال : كنت عند أبي جعفر الباقر - عليه السلام - فسأله رجل فقال : أخبرني عن الرب - تبارك وتعالى - له أسماء وصفات وفي كتابه وصفاته هي هو ؟ فقال أبو جعفر - عليه السلام - إن لهذا الكلام وجهين إن كنت تقول هي هو إنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك وإن كنت تقول هذه الأسماء لم تزل فإن لم تزل محتمل معنيين فإن قلت لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها فنعم ، وإن قلت لم يزل تصويرها وهجائها وتقطيع حروفها ، فمعاذ الله أن يكون معه شيء بل كان الله ولا خلق ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره ، وكان الله ولا ذكر ، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل والأسماء والصفات مخلوقات والمعاني والمعنى بها هو الله والذي لا يليق به الإختلاف ولا الإئتلاف وإنما يختلف ويأتلف المتجزيء فلا يقال الله مختلف ولا مؤتلف ولا الله كثير وقليل ، ولكنه القديم في ذاته لأن ما سوى الواحد متجز والله واحد لا متجز وكل متجز أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له فقولك إن الله قدير أخبرت أنه لا يعجزه شيء فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه وكذلك قولك عالم إنما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه ، فإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة والهجاء والتقطيع ولا يزال من لم يزل عالما فقال الرجل : كيف سميناه ربنا سميعا ؟ فقال : لأنه لا تخفى عليه خافية لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس ، وكذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالابصار من لون أو شخص ولم نصفه ببصر لحظة العين وكذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك وموضوع النشو منها والعقل الشهوة للسفاد والحدب على نسلها وأقام بعضها على بعض ونقلها الطعام إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفاز فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيف وإن الكيفية للمخلوق المكيف ، وكذلك سميناه ربنا قويا لا بقوة البطش المعروفة من المخلوق ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولا احتمل الزيادة ، ومتى احتمل النقصان وما كان ناقصا امتنع قدمه وما كان قديم كان عاجزا ، فربنا لا شبه ولا ضد ولا ند ولا كيف ، ولا نهاية ، ولا تصاريف محرم على القلوب ان تمثله ، وعلى الأوهام أن تحده ، وعلى الضمائر أن تكونه جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريته وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

​وضمن هذا الإطار ورد قوله تعالى : ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ ذكر المفسرون معنى الأسماء الحسنى هي الأسماء التي تليق به ، وهي الأسماء الراجعة إلى ذاته أو فعله نحو العالم العادل والسميع البصير المحسن المجمل ، وكل اسم لله فهو صفة مفيدة ؛ لأن اللقب لا يجوز عليه . وأمر تعالى أن يدعوه خلقه بها وأن يتركوا أسماء الجاهلية وتسميتها أصنامهم آلهة ولاتا وغير ذلك . قال ابن جريج : إشتقوا العزى من العزيز ، واللات من الله ، وكان ذلك إلحادا . ذكر ذلك الشيخ في التبيان .

​وقال السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير هذه الآية إن كون إسم ما من أسمائه - تعالى - أحسن الأسماء أن يدل على معنى كمالي غير مخالط لنقص أو عدم ، مخالطة لا يمكن معها تحرير المعنى من ذلك النقص والعدم وتصفيته ، وذلك في كل ما يستلزم حاجة أو عدما وفقدا كالأجسام والجسمانيات والأفعال المستقبحة أو المستشنعة ، والمعاني العدمية . فالإسم بحسب اللغة ما يدل به على الشيء سواء أفاد مع ذلك معنى وصفيا كاللفظ الذي يشار به إلى الشيء لدلالته على معنى موجود فيه ، أو لم يفد إلا الإشارة إلى الذات كزيد وعمرو ، وخاصة المرتجل من الأعلام ، وتوصيف الأسماء الحسنى - وهي مؤنث أحسن - يدل على أن المراد بها الأسماء التي فيها معنى وصفي دون ما لا دلالة لها إلا على الذات المتعالية فقط لو كان بين أسمائه تعالى ما هو كذلك ؛ ولا كل معنى وصفي ، بل المعني الوصفي الذي فيه شيء من الحسن ، ولا كل معني وصفي حسن بل ما كان أحسن بالنسبة إلى غيره إذا اعتبرا مع الذات المتعالية : فالشجاع والعفيف من الأسماء الحسنة لكنهما لا يليقان بساحة قدسه لأنبائهما عن خصوصية جسمانية لا يمكن سلبهما عنهما ، ولو أمكن لم يكن مانع عن إطلاقها عليه كالجواد والعدل والرحيم .

​وبعد هذا نقول ينبغي أن لا يغيب عن ذهن القارىء ما أشرنا إليه في صدر البحث عن هذه الأسماء الحسنى والكريمة التي أشارت إليها العبارة والذي قلنا فيه بأن من الأسماء ما يكون مشتركا بين الخالق والمخلوق ، ومنها ما يكون خاصا به - تعالى - 

مقالات مشابهة