رثاء الأستاذ منصور الشهابي

الأستاذ منصور الشهابي


أُلقيت هذه القصيدة في أربعين الأستاذ منصور شهاب الذي أقيم في قرية الدراز عصر يوم الاثنين أول ربيع الأول 1389هـ، وقد توفي المرحوم مساء الأربعاء ليلة الخميس 20 محرم الحرام 1389هـ.


ما لدمعي المصون وجدا تجارى    وفؤادي بالحزن قد شب نارا

والمروج الخضراء مر عليها    زعزع طير الغصون فطارا

ما لطير الربى تحير في السير    ولم نعهد الطيور حيارى

وكم العندليب قد صار بوما    وهو يحكي في صوته الاوتارا

ما لعين البيان بالخطب جفت    ولقد كان نبعها مدرارا

ولأصل القريض كان قريضا    والقوافي أضحت تنوح اندثارا

والنسيم العليل هب وقد عاد    سموما فأذبل الأزهارا

وتعالى من كل صوب نحيب    بدموع تحكي السحاب انهمارا

واستعاذ الهواء في ذلك الخطب    وأمسى بما به موارا

فأجابت مظاهر الكون طرا    ولعل الجواب كان اضطرارا

أخرس الخطب كل نطق ولكن    ذلك الخطب للجواب اشارا

إن من سخر القوافي لما يهواه    قد طلق الحياة وسارا

خلف الشعر وهو دون شعور    تخذ الحزن والبكاء شعارا

قد خلا من خياله كل وكر    ولقد كان يملأ الاوكارا

ساخرا بالحياة فهي نعيم    زائل ليس يعجب الاحرارا

فالكريم الأبي من ليس يرضى    بسوى عالم البقاء قرارا

مات (منصور) فالمحافل أمست    ونرى بعده المحافل عارا

قد أتانا الناعي بخطب جليل    ألهب القلب فاستطار شرارا

رددته الورقاء حزنا على الدوح    فأشجى النسيم والأزهارا

ونحيب الورقاء طورا سرورا    وبكاء يدمي الحشا أطوارا

أيهذا الناعي رويدا رويدا    فلماذا تذري الدموع غزارا

ألدار بها تمتعت حينا    ثم فارقت بعد ذاك الدارا

أم لصب جفاك بعد وداد    ام تنادي أميمة ونوارا

أم لخطب نبقى وكم من خطوب    جرعتنا الشجا فبتنا سكارى

قد بدت وهي ذات أمر خطير    ثم عادت مع الزمان صغارا

واذا ما تعود المرء أمرا    واستساغ الخطوب منه مرارا

ودهاه الزمان في كل حين    ألف الفاجعات والاخطارا

وأجاب الناعي بصوت حزين    وفؤاد بالحزن شب أوارا

مشعل الفكر في (الدراز) تلاشى    فأذاب القلوب والأبصارا

إن ذا (الصرخة) المدوي صداها    في البرايا حتى غزا الاقطارا

أفلت شمسه وغابت ولكن    خلفت من ورائها أقمارا

مات لكن بالمجد يحيا ويبقى    هكذا المجد ينبت الاحرارا

في ركاب الخلود يمشي أبي    ما حدا الموت بالحياة وسارا

أيها الراحل الذي ترك الألباب    حيرى والعين تهمي اذكارا

يومك المحزن المريع دهانا    فأطاش العقول والافكارا

بلغ المصطفى سلام مشوق    وبنيه الأطايب الاطهارا

ثم قف معلنا بما حل في الارض    وحدث بما جرى استنكارا

قل لهم ضاع دينكم فالبرايا    أنكرته من جهلها إنكارا

عجبا للثعالب السود أضحت    وعليه قد أشرعت أظفارا

وبنوه فروا على الضيم حتى    سلبت منهم العداة الديارا

بعضهم سار في ركاب الاماني    والأماني تظلل السيارا

ودعاهم داعي الهوى فأجابوا    ومجيب الهوى يلاقي البوارا

يحسب المرء نفسه عبقريا    وبأعماله يباهي افتخارا

فاذا بان سر أخطائه أمسى    غبيا يرى الحياة غزارا

في حياة العظيم أمر عظيم    يتجلى فيبعث الأنوارا

قد يموت الجسم النحيف ويبقى    خالدا ذكر فعله أدهارا

ولكم خلد الزمان عظيما    كان للناس في الحياة منارا

فاجمع المعجمات طرا وأرخ    (بشهاب خلف الحجاب توارى)